قالوا: أحسن منه قول الحطيئة [1] :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ثم قال: ما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا خير أهل الأرض، وعلى أني أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه وطبعه ونحته وسبكه. يعني أنه مطبوع غير مصنوع متعمل، منحوت من الأبن [2] والزوائد الفاضلة، مسبوك كما تسبك الفضة في جودة بيانه ونظمه، حيث جود في تعشو وإيقاعه حالا، وقوله خير نار وما فيه من التجريد، ولم يقل تجدها خير نار، وجمع بين الخيرين.
[وكانوا] يوقدون النار يهولون بها على الأسد، فإذا عاينها حدق إليها واستهالها فتشغله عن السابلة [3] . ومر ناس بوادي السباع [4] فعرض لهم سبع، فأوقدوا نارا، وضربوا على الطاس الذي معهم فأحجم عنهم.
50 -يقال لنار العرفج [5] نار الزحفتين، لأن صاحبها لا يزال يزحف إليها وعنها لسرعة «اتقادها وانطفائها.
51 -وقيل لأعرابي: ما بال نسائكم رسحا [6] ؟ فقال أرسحهن عرفج النار.
(1) الحطيئة: هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، أبو مليكة، شاعر، من الفحول المخضرمين. كان هجاء لم يكد يسلم من لسانه أحد. هجا أمّه وأباه وهجا نفسه.
توفي نحو سنة 45هـ. راجع ترجمته في فوات الوفيات 1: 99والشعر والشعراء 110.
(2) الأبن: العقد في العود، جمع أبنة.
(3) السابلة: السائرون على الطرق المسلكوة.
(4) وادي السباع: بين البصرة ومكة، وهو الوادي الذي قتل فيه الزبير بن العوام. اغتاله ابن جرموز. راجع معجم البلدان 5: 343.
(5) العرفج: نبت سهلي سريع الإنقياد واحدته عرفجة طيبة الريح لها زهرة صفراء. راجع لسان العرب مادة عرفج.
(6) الأرسح: من كان قليل لحم العجز والفخذ.