65 -علي رضي الله عنه: لقد رأيت عقيلا [1] وقد أملق [2] ، حتى استماحني من برّكم صاعا، وما رأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم [3] ، وعاودني مؤكدا، وكرر عليّ القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي. فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف [4] من ألمها، وكاد أن يحرق من مسها، فقلت له:
ثكلتك الثوكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها [5] جبارها لغضبه. أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟.
وعنه: واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم فأنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا، فرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء [6] تحرقه، فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيج حجر، وقرين شيطان. أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبته، وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته. أيها اليفن [7] الكبير، الذي قد
(1) عقيل: هو عقيل بن عبد مناف (أبي طالب) بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، كنيته أبو يزيد، أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها. صحابي بقي على الشرك إلى أن كانت وقعة بدر. وأسلم بعد الحديبية هو أخو الإمام عليّ وجعفر لأبيهما وكان أسنّ منهما. برز اسمه في الجاهلية وكان في قريش أربعة يتحاكم الناس إليهم في المنافرات: عقيل (صاحب الترجمة) ومخرمة، وحويطب، وأبو جهم. عمي في أواخر أيامه وتوفي في أول أيام يزيد. وقيل: في خلافة معاوية نحو سنة 60هـ.
راجع ترجمته في الإصابة ت 5630. والبيان والتبيين 1: 174والأعلام 4: 242.
(2) أملق: انفق ماله حتى افتقر.
(3) العظلم: عصارة شجر لونه كالنيل أخضر إلى الكدرة. وليل عظلم: مظلم.
(4) الدنف: المريض المقبل على الموت.
(5) أسجر النار: أوقدها.
(6) الرمضاء: الأرض الحارّة.
(7) اليفن: الشيخ الفاني.