الصفحة 112 من 251

وهى ليست معركة ربح أو خسار لقطع من الأرض أو قدر من المال، بل هى معركة حياة أو موت. إنها معركة إبادة لجنس من الناس، له لغته ودينه وحضارته. والاستعمار من سنين طويلة قد أعد عدته لإفناء هذا الجنس وما يتصل به من فكر وحضارة. وقد بدأت حرب الإبادة هذه من حولنا يوم تقرر تهويد فلسطين، ويوم اجتمع عدد من الدول أكبر مما اجتمع في مؤتمر"لندن"وسمح- في رضا ورغبة- أن يطرد العرب من أرضهم شر طردة، وأن يرثها عن أولئك الأحياء المطرودين بنو إسرائيل الذين دللهم الاستعمار في هذا العصر، وأسكنهم قصور العرب، وأطعمهم أقواتهم. أما العرب أنفسهم ففى الصحراء لهم متسع إن عاشوا، أو قبر إن هلكوا .. نعم، وبدأت حرب الإبادة في الجزائر البائسة، بعد محاولات طويلة لتنصير المغرب كله، وتسميم الدم الإسلامي فيه! فلما استعصى الضحايا على عسف"فرنسا"، تحولت قوات حلف الأطلسى لقمع الشعب المكافح، وترضيته بالهون. ومنذ عامين ما يطلع صباح إلا وأصوات النعاة تقبض الأفئدة بمهلك عشرات الشهداء في صراع لا يفتر بين المهاجمين والمجاهدين. ولو رصت أرض الجزائر بأحداث الشهداء ما كان فلك شيئا يستحق الذكر، أو يثير الأسى، أما أن تسترجع مصر قناتها، فذاك أمر تهتز له الأرض، ويحتشد له الساسة وتتعاوى من أجله الذئاب في كل غاب. غاية ما هنالك من فرق بين عواء الحيوان والإنسان، إن هدير الوحش لا تستر نبراته ولا تطوى أغراضه، أما عواء الساسة في مؤتمراتهم، فيمكن إخراجه للناس في قالب غناء ملحون منغوم! وها هى ذى حرب الإبادة تتجه إلينا في صورة تدويل للقناة أولا، وأخذ بخناقنا بعد فلك، فاما عشنا واما كتمت أنفاسنا. ص_104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت