لا تعتبر دعوة ما منتصرة إلا إذا بلغت أهدافها المرسومة، وأقامت أركانها الأصيلة، فإذا تخلت عن شىء من ذلك فإن انتصارها ينقص بمقدار الأجزاء التى تخلت عنها، وعندما نستيقن أنها تنازلت عن أركانها وأهدافها جملة، نحكم- دون تردد- أن الذى انتصر شىء آخر غيرها، وأن تسمى اسمها، ولبس زيها. في العالم أشخاص لهم برامج واسعة في الإصلاح، ما أن يلوا الحكم حتى ينسوا برامجهم، ويذهلوا عن ماضيهم، هل يمكن أن يعتبر هؤلاء ممثلين لرسالتهم؟ وبالتالى هل يمكن القول بأن رسالاتهم طبقت ففشلت؟ إن التعبير العدل في وصف هؤلاء: أنهم خانوا رسالاتهم، وأن الرسالات تظلم بأمثالهم .. ! أعرف جماعة قتل القصر الملكى في مصر رئيسها، لأن القصر ظن الجماعة ورئيسها خطرا عليه، ثم حدث تحول في قيادة الجماعة، تغيرت على أثره سياستها، وتقرر بعده ولاؤها للقصر، فهل نعد ذلك نجاحا للقيادة الجديدة، واطرادا في سير الدعوة الأولى .. ؟ لا ... ! إن دينا ما لا يوصف بأنه نجح في الحياة إلا إذا سلمت أصوله كلها، ومبادئه وقواعده في المعارك التى خاضها ضد خصومه، وإلا إذا حقق غاياته في المجتمع تحقيقا ينطبق مع طبيعته السماوية، فلم تستطع شائبة من أهواء الناس أن تدخل فيه .. ! ونحن إذا رجعنا البصر إلى تاريخ الإسلام الأول، يوم كان الوحى ينزل، والنبى يبلغ، نجد المشركين حاولوا مرارا أن يلتقوا مع صاحب الرسالة- صلى الله عليه وسلم- في منتصف الطريق أو ثلثه، فليترك بعض تعاليمه التى ينفرون منها، وعندئذ يؤمنون به، ويجتمعون عليه! وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا في قوله: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل) .ص_126