لا القول في البغال"عنوان رسالة كتبها الجاحظ يستطيع أن يستوعب موضوعها من يشاء، فقد أخرجتها دار الكتب منذ شهور في طبع أنيق ... !! والعرب إذا رأت ما يستدعى الشتم نسبت صاحبه إلى ذلك الحيوان، وقالت عنه أنه بغل!! وسر هذا الوصف أن البغل حيوان مهجن، أمه فرس نزا عليها حمار، فخرج الولد يحمل طباعا غير ما يعرف في طائفته، لو أن السيدة أمه واقعها حصان!! ولو تم، لخرج الابن جوادا كريما، أو على الأقل فيه أصالة الخيل وسمو مظهرها ومخبرها .. والبغال في ميدان القلم والتوجيه العام كثيرون، وآثارهم في إفساد الذوق والوعى شائعة منكرة!! هؤلاء نزت على أخلاقهم ومسالكهم- بل على نفوسهم وعقولهم أولا- أفكار دخيلة وآراء دنيئة تتصل بالحياة والإنسان، والوجود الأعلى، فكان هذا التلقيح الفكرى مغيرا طبائعهم كما تتغير الذرارى في الواقع الحيوانى المختلط ... إنهم لو نبتوا في بيئتهم وحدها لشبوا مؤمنين بالله، يحترمون دينه وشرائعه، ويعرفون مكانة الفضائل في دنيا الناس فيشيعونها، ويعرفون عقبى الرذائل في تدمير المجتمع وتخريب الحاضر والمستقبل فيحاربونها ... ولكن هؤلاء نتاج غريب في أمتنا المؤمنة بربها، الغيور على حقوق الله وحقوقها، نتاج غريب، كما أن البغال بعد نزوان الحمير على أمهاتها نتاج تنكره الخيول، وقد تنكره الحمير أيضا ... ! إن أوروبا، قبح الله وجهها، كانت الوالد الروحى لهؤلاء الكتاب الشرقيين الذين يطلبون الآن في قحة ظاهرة طى الإسلام في أكفانه، وإراحة الناس في فرائضه ونوافله، وإباحة الدعارة التى حرمها، وكذلك الخمر وسائر المناكر! ثم ردم الدعوة الإسلامية حتى تخمد أنفاسها تحت الثرى، فلا يسمع لها نداء، ولا يحترم لها عرف مقرر أو تقليد موقر أو تشريع مقترح أو خلق مستقيم ... ودور أوروبا في إخراج هذه الطباع الممسوخة هو دور الحمار في تلقيح فرس أعدت خصيصا لهذا التهجين ... كذلك صنع الغزو الثقافى، وكذلك أفلح في إخراج أجيال البغال ليس بينها وبين أصلها العريق نسب محفوظ، ولا سبب ملحوظ ..."
ص_210