لقد استفادت أوروبا- في هجماتها الحديثة على الشرق- دروسا كثيرة من الحروب الصليبية الأولى، وهى في حملاتها الأخيرة على الإسلام والمسلمين تتبع سياسة أحكم في بلوغ مأربها، وتتخذ طرقا ماكرة في القضاء على الإسلام وأتباعه دون ضجة كبيرة!! وهل أجدى عليها من أن تخلق جيلا من المسلمين أنفسهم يقضون على دينهم بأيديهم؟ إن ذلك يوفر عليها قدرا كبيرا من المتاعب والتبعات، وحسبها بعد أن تقف! متفرجة لترى- وهى طروب- كيف يمات الإسلام بغير يدها المباشرة!!! كان الصليبيون القدماء يهجمون في غارات فظيعة، وليس على وجوههم نقاب، ولا دون نياتهم ستار، غرضهم البين القضاء على الإسلام بالسيف، فكان ذلك اللون من الهجوم يتبعه رد فعل شامل في الأقطار الإسلامية، إذ يجمع متفرقها ويصحى نائمها، ويثير دوافع البقاء أمام وطأة الجزإرين، إن لم يتركوا من الإيمان أمام عدوان الكافرين .. ولذلك اشتدت مقاومة المسلمين لهذه الهجمات .. وما أخذوا على غرة مرة ألا تنادى قاصيهم ودانيهم لرد الطغاة، واسترداد ما غصبوا .. وكان ذلك من أسباب فشل الصليبيين آخر الأمر بعد قتال اتصلت وقائعه مائتى سنة .. !! وكان من أسباب فشل الصليبيين أيضا في غزواتهم الأولى جهلهم بأحوال المسلمين وشئونهم السياسية والاجتماعية، وتكون صور غامضة أو محرفة عن قواهم المادية والأدبية. لقد كانوا يخرجون من أوروبا إلى عالم مجهول معتمدين على إمداد من الجيوش لا آخر لها، ومعتقدين أن تفوقهم العسكرى، وحماسهم الدينى يصنعان المعجزات، بيد أن ذلك لم يغن عنهم شيئا .. ! ثم أنهم كانوا يعتمدون على الطوائف النصرانية الموجودة بالمشرق، مرتقبين عونها وارشادها، ظانين أنها تملك من الوسائل ما يجعلها عظيمة النفع لإخوانها في الدين إذا أقبلوا هاجمين! وقد يصلحون على القليل جواسيس للجيوش الوافدة، إن لم ينتظموا جنودا في سلكها، وقد خاب فالهم في هذ الناحية لأسباب شتى ..
ومن الفشل القديم، وعلى ضوء تجاربه غير الصليبيون الجدد خططهم، واتبعوا أساليب جديدة. إنهم يجيئون اليوم- كما يقولون- تجارا لا فجارا! واحتلالهم للبلاد بالقوة إجراء قضت به الضرورة فقط، وإلا فهم ناس طيبون شرفاء! ص_211