أكاد أجزم بأن الأمة العربية والإسلامية في مطالع هذا القرن لم تكن تدرى شيئا عن الخطة الهائلة الموضوعة لتمزيقها والتهامها. في سنة 1897 انعقد أول مؤتمر صهيونى عالمى لإقامة وطن قومى لليهود، على أرضنا طبعا .. ! فأين للرد عليه مقالات الأدباء وقصائد الشعراء وتحذيرات الساسة وتكاتف المجاهدين وتراص القوى المؤمنة لمواجهة هذا العدوان؟ لقد اجتمع هذا المؤتمر وانفض والأمة المقصودة به لا تعى من نبأه إلا القليل! قد يقال: كان حديث اليهود يومئذ أحلام طامع سفيه لا يؤبه له! ونقول: كيف؟ والاستعمار الغربى كان في هذه الأثناء يجثم على صدر وادى النيل. ويطوى أرجاء المغرب الكبير. ويجعل من قناة السويس طريقا إلى ممتلكاته في الهند وجنوب آسيا وأكناف الجزيرة العربية؟ أكان كثيرا على الاستعمار الذى أحرز كل هاتيك المغانم أن يقتطع فلسطين، ويقيم فيها اليهود؟ كلا. إنها غفوة دفع العرب والمسلمون ثمنها من دمائهم وكرامتهم. والغريب، أنه في أثناء الحرب العالمية الأولى صدر وعد"بلفور"وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في أرجاء الدنيا البعيدة اشتعلت داخل البلد المكروب، فلسطين، حرب أخرى لتنفيذ الوعد الخسيس. ولنقل القطر العربى من أبنائه إلى أعدائه ومع ذلك فإن ساسة العرب في الحرب العالمية الثانية قاتلوا إلى جانب جزاريهم وكانوا حلفاء للغرب الذى قرر ذبحهم. وقبضوا المكافأة على هذا الهوان قيام إسرائيل ركيزة ضخمة للاستعمار الخئون ودوله الطامعة الجائعة .. وعلى كل حال فقد انكشف المخبوء واتضحت الخطة بعد تنفيذها. ص_147