الإسلام يسعه أن تقوم إلى جانبه ديانات أخرى يتشبث بها أبناؤها، ويحيون ويموتون عليها. ومع ذلك لا يلقون منه عنتا، ولا ينالهم اضطهاد أو افتيات! ذلك أن اختلاف الدين ليس عنده مثار بغضاء أو علة اجتراء. كلا. فيخالف من يشاء! وليبق على يهوديته أو نصرانيته من يحب! بيد أن المطلوب منه اكنان المسألة لغيره، والابتعاد عن أسباب الجور والتحدى. فإذا فعل ذلك فحقه المقرر له أن يلقى الود مضاعفا، والأمان مبذولا، والإيناس والترحيب حيث يحل ... أجل لقد شرع الإسلام في معاملة أهل الأديان الأخرى قواعد العدالة، ومعالم المرحمة والتلطف! والفقة في كتاب الله وسنة رسوله هو الذى جعل ابن حزم إمام الأندلس يقول:"إن من واجب المسلم للذميين الرفق بضعفائهم، وسد خلة فقرائهم، وإطعام جائعهم، وإلباس عاريهم، ومخاطبتهم بلين القول، واحتمال أذى الجار منهم- مع القدرة على دفعه رفقا بهم، لا خوفا ولا تعظيما، وإخلاص النصح لهم في جميع أمورهم، ومدافعة من يتعرض لإيذائهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يفعل معه كل ما يحسن بكريم الأخلاق أن يفعله .."! وقد كان لهذه الوصايا السمحة أثرها في إعزاز غير المسلمين وسط ديار الإسلام، فلم تبق القلة الحافظة على يهوديتها ونصرانيتها فحسب، بل دعمت كيانها، وزادت ثراءها، ورفعتها إلى مكان مرموق من الناحيتين المادية والأدبية معا. وبلغ من سناء الدرجات التى وصل إليها هؤلاء المجددون أن كان بعض علماء المسلمين يكتب إليهم يرجوهم البر بالرعية المسلمة (!) ، ويناشدهم ألا يستغلوا وظائفهم في إيذاء المسلمين والتشديد عليهم (!) . قال الشعرانى- وهو من أقطاب المتصوفة في القرن العاشر-:"كثيرا ما كاتبت اليهود والنصارى أصحاب المكوس في تخفيف المظالم عن المسلمين! وأقول في كتابى لهم: أسأل الله للمعلم فلان أن يرضى عنه ويدخله الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين؟ واضمر له سؤال التوبة عن الكفر ليصح دخوله الجنة! ص_093"