أحسب تاريخ العالم لا يعرف في سجله الطويل أسوأ من مدنية الغرب في معاملة الآخرين، وتجاهل مصالحهم، ومصادرة حقوقهم. بل إنه لا يعرف أسوأ من هذه المدنية في إراقة الدماء بغزارة، والتهام الحرمات بنهم، وتجسيم الأثرة الباغية تجسيما يحجب كل ما وراءه من خير وعدل، لا، بل إن هذه المدنية تتميز ببراعتها الفائقة في فرض إثمها على أنه شرف، وإبراز شهواتها وكأنها قوانين نزيهة! فالخير ما عاد عليها وحدها بالنفع وإن كسر قلوب الآخرين، والعدل ما سوغ حيفها وإن شاء وجه الحق واستخفت معالمه تحت ركام من الأقذار .. ! الطابع الغالب على أبناء"أوروبا"إنهم قساة القلوب، وأن بطشهم بأعدائهم - أعنى من يرونهم أعداءهم- يتسم بالجبروت والفظاظة، وأن تدمير المدن، وإزهاق الأرواح، وإهلاك الحرث والنسل، أعمال ترتكب وكأنها مسلاة هينة، أو عبث مأمون الجزاء .. ! عندما غزا الإنجليز"أستراليا"أخذوا ينزلون بالبقاع الخصبة منها، ورسموا سياسة دقيقة لمنع سكانها الأصلاء أن يشركوهم فيها. وكلما تكاثر الغزاة اشتد دفع الأهلين عن الموارد العامرة إلى الصحارى المتلفة كى ينقرضوا في صمت! وليتهم ينقرضون في صمت يحسه المجرم وهو يواقع المنكر! إن المستعمر المجرم هنا ـ وهو يفعل في الخفاء فعلته ـ يملأ الدنيا ادعاء بأنه رسول الحضارة والارتقاء والسلام! والذى فعلته"إنجلترا"في"أستراليا"فعلت مثله"إيطاليا"في"طرابلس". فقد نزل المستعمرون الغرباء على السواحل النقية، وشرعوا يقاتلون العرب عليها، ويذودونهم عنها، فإذا رضيت بعض القبائل أن تعيش خدما للفاتح الغالب انتهزوا لها أول خطأ ـ أو اختلقوه ـ ثم حكموا على شباب القبيلة بالموت رميا بالرصاص، وطاردوا البقية إلى الصحراء، نساء وأطفالا وشيوخا، لتجد في الرمال الغبراء قبرا يواريها إن لم تجد صدرا يستقبلها .. ! ص_069