الصفحة 76 من 251

ولا شك أن في الأمم من يسخط لهذا المصير، ومن يقاوم القتلة وهو يجدبونه إليه. وهنا تقع الطامة، فإن إطفاء ثورات التحرر تلقى أسلوبا من القمع والتمزيق يثير الرعب، أسلوبا انفرد به الاستعمار الغربى عن أعصار التاريخ كلها. نعم، نحن نعلم أن الرومان كانوا يرمون خصومهم للوحوش الجائعة تنهش لحومهم وتهشم أعضاءهم! ولكن من الخطأ أن نحسب زبانية الاستعمار الحديث أقل سفالة من قدماء الرومان. ففى إخماد الثورات المتكررة التى اندلعت نارها في"فلسطين"ضد الحكم الإنجليزى ارتكب ما هو أقسى من ذلك وأنكى. ربما لم تستجلب سباع من الغابات لالتهام المعذبين المحكوم عليهم بالموت لا لشىء إلا لأن آلات التعذيب المستحدثة تسد مسدها، وبخاصة إذا أشرف على إدارتها رجال غاضت من قلوبهم معانى الرحمة، فهم ذئاب مسعورة في صور أناسى! ألم تكن القرى الآهلة تسوى بالتراب إذا عثر في بيت منها على رصاصة أو مسدس؟ ثم ألم يكن الشباب النضر يقاد إلى الموت أقبح قود، وبعد طرق من التنكيل والإذلال طافحة بالهول؟ بلى! ولقد كان الموت يجىء بعد هذا الشقاء المر اختصارا لآلام فوق طاقة البشر، فهو أمنية، كما قال أبو الطيب: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا .. ! والاستعمار الغربى يستبد به جنون القتل كلما كان المسلمون هم ضحاياه، وكلما كانت بلادهم هى هدفه. إنه في هذه الأحوال يستمرىء العدوان، وينتشى بالدم المسفوك؟ أليست شهوة الفتك والحالة هذه تحسب عبادة وقربة إلى الله؟ لذلك كانت ضراوة الإنجليز في"فلسطين"، والطليان في"طرابلس"والفرنسيين في"الجزائر"متشابهة تنبع كلها من عين حمئة، عين تفور بالضغائن والثارات. وتذهل عن الحقوق والواجبات. وإنى ـ ساعة كتابة هذه السطور ـ استمع إلى رواية شاهد عيان يصف غزو الحلفاء الثلاثة، إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، لمدينة"بور سعيد". قال: بذل الأهلون قصارهم في رد الجنود الهابطين بالمظلات، واستطاعوا مغالبة الأفواج الأولى منهم، بيد أنهم بوغتوا بمئات الطيارات ترجم المدينة بقذائفها الحارقة، وكان الأفق مليئا بهذه الأسراب المغيرة تغدو وتروح وهى تفرغ الهلاك في كل مكان! خمسمائة غارة في هذا اليوم الأغبر ـ كما نطقت بذلك بلاغات العدو!! ص_070

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت