وانضمت سفن الأسطول إلى هذا الهجوم، فأخذت تطلق مدافعها على المدينة اللاغبة، فرأيت القصور والنار تخرج من نوافذها، ثم ما هى إلا لحظات حتى تندك فوق رؤوس ساكنيها. وسرى الرعب إلى الحيوانات التى تقطن المدينة، فانسابت تجرى في شوارعها على غير هدى، غير أن الرصاص المنهمر لا يدعها تصل إلى مهرب! فأين المهرب للإنسان والحيوان في هذا البلاء المحيط؟ ولذلك تجاورت في الميادين والأزقة جثة كلب شارد، وإنسان بائس .. وكانت الجثث المتناثرة كأوراق الشجر الساقطة في فصل الخريف تكسو الأرض المخضبة في منظر يثير اللوعة. وأحيانا تجد كوما من الموتى وقع بعضهم على بعض فتساءل: أركموا هكذا بفعل فاعل؟ والظاهر أن يدا لم تمتد إليهم بعد مصارعهم! وإنما هى طبيعة البشر ساعة الروع، إن كلا منهم جرى إلى أخيه ليأنس به، أو يتعاون معه على مواجهة الصواعق النازلة من الجو، أو القادمة من البحر، فدهمهم الموت وهم جميع على هذا النحو. لله كم هى رخيصة دماء أولئك المسلمين؟ وحاول أبطال المقاومة الشعبية أن يوقفوا السيل! فانطلقوا شبه مجانين يدافعون ببنادقهم هنا وهناك. ولكن الأجانب من سكان"بورسعيد"وأشباه الأجانب من المحسوبين على مصر، انضموا إلى الغزاة، واختبأوا في مساكنهم يتصيدون برصاص مسدساتهم أرواح الرجال الذين انتصبوا للدفاع عن بلادهم .. ! وكان بلاء المسلمين من هذه الخيانات فاجعا. أهكذا ينسى الجميل على عجل؟ أولئك الذين عاملناهم بتقاليد الضيافة والسماحة، يستديرون لنا في المحنة ليغتالونا مع إخوانهم الصليبيين الغزاة؟ إن بقايا طعامنا لا تزال في بطونهم، وآثار كرمنا لا تزال بين أيديهم ومن خلفهم، وها نحن أولاء نتلقى الجزاء العدل منهم! فلا غرو إذا أحس المسلم وهو يلفظ أنفاسه على طوار، أو يسلم روحه تحت ردم، إن الدنيا تآمرت عليه وشاركت في قتله .. ! قال إمام المسجد الذى يروى هذه المأساة: ولقد دخل الإنجليز والفرنسيون المسجد العباسى وشرعوا يحصدون المصلين حصدا، وأظن الجثث التى تراكمت في المسجد تربو على مائتين! ص_071