على أنه من الرحمة التى تسجل لهم، إنهم بعدما دخلوا البلد المهيض وجدوا رب أسرة يشتد مع زوجه وأولاده يلتمس النجاة، فقتلوا الرجل وحده، وتركوا المرأة التى عجزت عن الحركة، لأن صغارها تشبثوا بجثة أبيهم ينادونه لعله يجيب!
إن حضارة الغرب لا ضمير لها ولا قلب، إنها حضارة قطعان استغلت تفوقها العسكرى لتملأ الحياة فسادا ونذالة. وقد منحت"أوروبا"حق الحياة لبعض الأقطار المتخلفة، فهل منحتها هذا الحق لتسعد به؟ كلا! إنه كما استبقى فرعون نساء بنى إسرائيل بعد أن قتل ذكرانهم. إنه استبقاء لمصلحة السادة ومتعتهم لا خير فيه للعبيد أبدا. وستطالعك أنباء هذا الاستحياء فترى فيه ظاهرتين مقترنتين. الأولى: الأثرة الشرهة الماكرة المشربة بالفظاظة، والذاهلة عن حقوق الآخرين، بل عن وجودهم، فهى تنظر إلى الأقطار الخصبة لا على أنها ملك أصحابها، بل كما ينظر اللص إلى متاع أعجبه، فأول ما يفكر فيه: كيف يسطو عليه، ليستأثر به؟ وربما لم تكن للاستعمار حاجة عاجلة إلى هذه الصفقة الحرام، ومع ذلك يختلسها ويدخرها للمستقبل! وضعف المالك هو وحده الذى يحرك شهيته للغصب والنهب، على حد ما جاء في أمثال العامة:"من اعتاد أكلك، ساعة يشوفك يجوع". والغزو الأوروبي يتسم دائما بهذا الجوع إلى التهام السحت، ووأود أصحابه الأول. وقد نبه القرآن إلى ذلك بوصيته للمسلمين أن لا يكونوا (كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) . والظاهرة الأخرى: إلباس هذه القذارة النفسية ثوب العفة والترفع، ومداراة البراثن الملوثة في قفازات من الحرير. وقد كنت استغرب كيف يرزق بعض الناس هذه الصفاقة في فعل المنكر، والخروج على الناس في ثياب الواعظين الأشراف! حتى وجدت أن من يستسهل المناكر لا يعجزه التزوير ولا استحسان السوء. ص_072