الصفحة 166 من 251

لو أراد أعدى أعداء بنى إسرائيل أن يفضح خباياهم ويكشف طواياهم، ما تحدث عنهم بأفضح مما تتحدث به أفعالهم، وتخبر عنه أحوالهم. لقد برهنوا من تلقاء أنفسهم على أن أضغان الشعوب عليهم عدل، وأثبتوا للعالمين أن ما نزل بهم من اضطهاد على مر العصور لم يكن إلا التأديب الحق لطبائع السوء، ومصادر الشر. فما حاف عليهم جبار استباح دماءهم وأموالهم، كما لا يحيف أحد يترصد للذئاب الجائعة، ويطارد الوحوش الضادية. إن بنى إسرائيل هؤلاء ما تجمع لديهم مال إلا سخروه في الفتنة، ولا وقع بأيديهم سلاح إلا استعملوه في الأذى، ولا التأمت لهم جماعة إلا تعاونت على الإثم والعدوان، ولا أسديت لهم نعمة إلا جحدوا صاحبها وكفروا حقه، ومن قديم قال الله لهم: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون * وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون) . إنهم هم الذين زرعوا أحقاد العالم عليهم، وجعلوا العصور تتوارث كراهيتهم، وجعلوا كل قوى مصلح يتقرب إلى الله بتقليم أظافرهم، وتشتيت شملهم. ولو أن الناس أمنوا جانبهم يوما، أو توسموا في قلوبهم خيرا، ما أكنوا لهم الجفاء، ولا أظهروا لهم تلك البغضاء. في عصر النبوة عاشت عصابات من اليهود إلى جوار المدينة التى استقرت فيها الدعوة الإسلامية، وآثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرم جوار القوم بوصفهم أهل كتاب، فالإسلام يذكر موسى أطيب ذكر، ويمدح كتابه أجمل مدح: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) .ص_156

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت