وفى ظلال هذا النسب، بسط المسلمون أيديهم بالصداقة لبنى إسرائيل. بيد أن هؤلاء تظاهروا بالمودة وقلوبهم تغلى، وقبلوا مسالمة النبىصلى اله عليه وسلم وصحبه، ثم أخذوا يرقبون الأيام لعلهم يجدون ثغرة تشبع ضغنهم. وتألم المسلمون لهذه السياسة الخادعة التى اتبعها بنو اسرائيل، وحاولوا أن يطفئوا نارها بمزيد من الإحسان والتودد، ولكن اليهود بقوا على موقفهم، إذا أصاب المسلمين شر بدا عليهم الفرح، وإن مسهم خير ظهر عليهم الكمد، وان أقبل صديق نابذوه، لان جاء عدو عاونوه. وما رعوا مع المسلمين جوارا قائما، ولا احترموا ميثاقا معقودا. ومتى كان للذئاب المسعورة عهد إذا وجدت ضحية، وتاحت لها فرصة. من أجل ذلك تنزل الوحى الإلهى يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحذر هذه العلاقات المريبة، وأن يمنع هذا اللعب الشائن بالمعاهدات المبرمة، وأن يضرب اليهود ضربة توجع ظهورهم، وتلفتهم إلى أن الغدر شؤم، وأن طريق الخيانة ذل في الدنيا وخزى في الأخرى. قال الله عز وجل: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) والغريب أن سيرة هؤلاء العابثين بعد أربعة عشر قرنا لم تتغير قيد أنملة عن طليعتها الأولى. الغدر هو الغدر، والخيانة هى الخيانة، والقسوة هى القسوة، وكل ما يسخط الله ويؤذى عباده، هو هو لم تنقضى ضراوته. انظر إلى قوله تعالى: (ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون) إنه إحصاء شامل يصم اليهود بخسة لا تتخلى عنهم، ولا يتخلون عنها. غدر في كل مرة! لم يخطئوا مرة واحدة فيوفوا بعهود الله وعهود الناس! وها قد انقضت دهور، واستطاع اليهود في غفوة الحق، وسكرة أهله، أن يقيموا لهم دولة، أو بتعبير أدق أن يقيم لهم المستعمرون دولة. ص_157