عندما انعقد مؤتمر"لندن"لبحث مشكلة قناة السويس- بعد أن استردتها مصر- كان هناك نفر من الناس يتابع مناقشات المؤتمرين وفي نفسه أمل أن ينتهى الأمر بسلام، وأن ينفض المجتمعون وقد استحيوا من اللجاجة في مطمع فات إدراكه. فإذا لم يكن لديهم حياء غلبهم الوجل من مصاولة أصحاب الحق بعد ما تيقظوا له، واستمسكوا به. وكان أولئك المتفائلون يفرحون إذا جاءت الأنباء بأن دول الاستعمار قد خفضت من وعيدها وكسرت من حدتها، يحسبون أن ذلك التراجع إيذان بحل المشكلة على نحو يرضى أصحاب الحقوق، ويرد إليهم ما سلب منهم دهرا طويلا. وما دروا أن ذلك التراجع لا يعدو دائرة الألفاظ المرنة، والأساليب التى تصطنع اصطناعا لإخفاء أخبث النيات، وأحلك المقاصد .. وها قد انتهى المؤتمر، وانفضحت المؤامرة، وسقط القناع عن الوجوه الكالحة، واستيقن المترددون أن في دول أوروبا لا تزال على حقدها القديم، وضلالها الأول. إنها- وقد سمنت من المال الحرام- لا تزال تتشهى المزيد. إنها- وقد ضريت على التهام ما أمامها- لن تكف إلا إذا أصابتها لكمة تهشم أسنانها، وتعجزها عن مد الفم ولى السحت .. ! ونحن منذ تداعى ساسة الغرب، وقرع جوارهم النابى آذان العالم، ومنذ نادى بعضهم بعضها للعدوان على مصر، وإعداد القوى في البر والبحر والجو لمهاجمتها- نعرف أنه لا مكان لتفاؤل، ولا انتظار لمسالمة، وأنه من العجز ارتقاب الشرف من الغادرين، أو العفاف من الداعرين أو النصفة ممن أذوا أهل الأرض أجمعين.
إن معركة مصر لم يكن بد من خوضها، سواء استرجعنا القناة أم تركناها لمن يأخذون القناطير المقنطرة منها. ذلك أن مصر جزء هائل من كيان العروبة والإسلام. والمعركة ضد العروبة والإسلام قد بدأت منذ زمن طويل. ص_103