والله عز وجل عصم نبيه عن كل مسلك يخالف الرسالة المنزلة، وأقامه على الحق لا يحيد عنه قيد شعرة: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا) . وقد سرى هذا الحفاظ الدقيق من نفس النبى إلى نفوس أتباعه، فبقيت معالم الإسلام ثابتة منذ نزلت إلى يوم الناس هذا، ما شانها تحريف، ولا لحقها عوج. تختلف الدنيا بالمسلمين ما يختلفون، وينتصرون فيها ويندحرون، ويتقدمون ويتأخرون، ومع ذلك التفاوت في أحوالهم فإن الإسلام مصون المنابع، محفوظ المصادر: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . وهذا وحده هو معنى انتصار الحق على الباطل- في عالم الدراسات والنظريات. ولو أن المشركين أفلحوا في دس شىء على هذا الدين شاب رونقه، وغير مجراه، ما جرؤنا على القول بأن الإسلام انتصر، إن الذى ينتصر في مثل هذه الأحوال شىء آخر غير الدين، وغير الصراط المرسوم من رب العالمين!
نحن المسلمين نؤمن بعيسى بن مريم عليه وعلى محمد الصلاة والسلام، ونرى الرجلين من الأمناء الكبار على رسالة التوحيد، وعلى إقرار العدالة والعفاف في الأرض، والأنبياء أخوة، جمعهم على هداية الناس هدف أكبر، يلتقون قاطبة عنده، أوجزه القرآن الكريم في هذه الآية: (و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) . وقد أدى عيسى رسالته بأمانة، وجرى له ما يجرى لغيره من المرسلين عندما ينقلون للناس هدايات الله، ويحاولون فطام الجماعات عما ألفت من ظلم وظلام، وشرك وأوهام ... ثارت الجاهلية ضده، وشرعت تكيد له، ولم يتزحزح هو عن موقفه، بل ثبت كالطود أمام عبث اليهود، وعسف الرومان. ص_127