الصفحة 136 من 251

وهو لم يسقط القوة من حسابه في مكافحة مضطهديه، ومضطهدى اتباعه، وكيف يقال أنه أسقطها، وقد جاء على لسانه- فيما يقرأ الآن من أناجيل-:"ما جئت لأحمل سلاما بل سيفا"! إنه السيف يريد أن ينتصر على السيف، وهو إذا حمل السيف فالحق إلى جانبه، وخصومه من اليهود والرومان يوم يحملون السيف في وجهه، فهم مبطلون جائرون ... والأنبياء لا يحملون السيف أول ما يظهرون بين الناس، فأين أذن مكان الإقناع، والمجادلة الحسنة، وتحمل الأذى في سبيل الله، ومصابرة الخصوم مهما أسفوا وتعنتوا؟ إن المأثور في سيرة محمد وعيسى- عليهما السلام- من هذه الناحية يملأ القلوب احتراما وإجلالا، إلا أن محمداصلى الله عليه وسلم طالت به حياة، فقاوم سيوف المشركين حتى فل حدها، ورد كيدها، وأقام دولة الإسلام على أنقاضها، وذهب إلى الرفيق الأعلى وصحائف الوحى تتلى في مليون ميل مربع من الأرض، ما يجرؤ كافر على اعتراضها! أما عيسى عليه السلام فإن حالة رسالته لم تصل إلى هذه المرتبة من التمكين. إن عواصف الإلحاد التى أثارها اليهود متواطئين مع الرومان، ومع بعض المنافقين من أتباع عيسى نفسه، عجلت بمصير الرسالة النبيلة، فلم يستطع هذا النبى الكريم أن يقاوم الجبابرة الذين قرروا قتله- كما تقرر قتل محمد! - فاستخفى عن الأعين حتى توفاه الله .. والمنتسبون إلى اسم عيسى اليوم يقولون: لا بل ألقى القبض عليه، واقتاده الشرطة لينفذوا فيه الحكم المقرر فقتل مصلوبا ... ! وسواء اقتنع الناس بالحق الذى سقناه، أم صدقوا إشاعة قتل عيسى، فإن هناك حقيقة لا يجرؤ أحد على إنكارها، وهى أن السلطات القائمة يومئذ كانت سيدة الموقف!، وأنها يوم أصدرت الأمر بقتل عيسى كانت تعنى القضاء على دينه، ومصادرة رسائله وكتاباته، وتمزيق شمل أتباعه واعتبارهم خارجين على القانون، وتنفيذ الحكم نفسه فيمن يحاول استئناف العمل بدعوة عيسى، والسير على المنهج الذى تركه. وذاك هو الذى حدث! وسواء رفع عيسى كما نقول أم قتل كما يقولون، فإن الجماهير التى عرفته وسمعته شملها الفزع، واستشعرت الوجل من الحكومة القائمة، وجنح المؤمنون الأوفياء إلى عبادة الله سرا، وهم متوجسون من انكشاف أمرهم. ص_128

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت