والذين وفوا لعيسى بعد وفاته كثير، وقد ظلوا في الظلام سنين عددا، وإيمانهم بالله جل شأنه وثيق، وتقديرهم لنبيه عيسى عظيم. على أن الدولة لم تخفف من ضغطها، ولا رجعت عن سياسة البطش التى تبعتها. وفي حومة هذا الصراع اليائس، وعلى طول المدى دون جدوى، أخذ تحول كريب يطرأ على بعض الاتباع، وهو تحول هدفه تقريب الشقة بين الجماعة المضطهدة والمجتمع الحاكم، ولو كان على حساب الديانة نفسها، وأعلن على هذا التحول ما ساد المسيحيين من بلبلة فكرية عامة بعد اختفاء عيسى، فإن حياة الظلام أخصب البيئات لرواج الإشاعات، وسيطرة الأوهام وتشويه الحقائق ... ولما كان المجتمع الحاكم وثني العقيدة والسلوك، فقد أخذ المغلوبون على أمرهم يقتربون في تصور دينهم وتصويره من خصائص الأمة التى يعيشون فيها. وللوثنية دعائم تقوم عليها، فهى تؤمن باله كبير بعيد، له أولاد يرمز إليهم بالأصنام- وهى الهة صغرى قريبة- وقد ندد القرآن الكريم بهذه الأفكار العليلة: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون) . (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق) .
وجعل عيسى ولدا لله، ثم إلها معه، كان حركة اقتراب من الديانة المضطهدة، نحو الديانة التى تقوم عليها الدولة ... وبذلك انهزمت عقيدة التوحيد الخالص التى جاء عيسى بها، وشابها هذا الشرك الدخيل فزحزحها عن أصلها. ومن معالم الوثنية: أنها تتوسل بلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها- بوصفها ذات صلة خاصة بالله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا) .ص_129