وقد سرى هذا المعنى إلى المسيحية الجديدة، فإن ابن الله جدير أن يكون شفيعا عنده، فكيف إذا كان هذا الإله قد حل في ابنه؟ إن الاتصال به وحده يكون أجدى!! ومن مظاهر الوثنية تقديم القرابين لتكفير الخطايا، ولما كان إنشاء مذابح يتجمع حولها الخطاة، ويتزلفون فيها إلى معبودهم بنحر القرابين بين يديه، لما كان ذلك متعذرا بالنسبة إلى المسيحية، فقد اعتبر مقتل عيسى هو القربان الذى تكفر به كل خطيئة. والمهم هو الإيمان بهذا المقتل لهذا الغرض! فذاك سر الخلاص من الذنوب كافة! ولذلك يسمون عيسى"المخلص". أليس هو القربان الذى فدى بدمه ذرية آدم؟ ويتبع ذلك شىء خطير. إن الوثنية تدع السلوك الإنسانى طلقا، يعب من مشتهياته ما يبغى، ويكفيه بعد - لاسترضاء الآلهة- كلمة اعتراف بها، أو اعتراف لها، ثم يخرج الإنسان من خطاياه كما يخرج من ملابسه!! وقد قامت النصرانية الجديدة على هذا النحو، فانفصل في تعاليمها الرباط الوثيق بين العمل وجزائه، وبين الإنسان ومسئوليته، واقترن هذا العوج بعقيدة الصلب والفداء نفسها، ومن ثم تجد المجتمعات التى سادها هذا التحريف، لا تبالى ما تصنع، ولا ما تدع فهى تحيا كيف تشاء ... ومن البديهى أن تخف حدة الخلاف بين الدولة الحاكمة وبن المسيحيين المعذبين، بعدما انتقلوا بديانتهم إلى هذا الطور المرضى. ومازالت دائرة الخلاف تنكمش حتى تنصرت الدولة نفسها بتنصر الإمبراطور الرومانى"قسطنطين". والسؤال الذى لا نتردد في الإجابة عليه بعد ذلك: هلا يعد ذلك انتصارا للدين السماوى النازل من عند الله! هل ذلك انتصارا لعيسى بن مريم؟ والجواب: كلا. بل ذلك انتصارا للوثنية! إنه سحق تام لكل ما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام من تعاليم ووصايا. ص_130