الصفحة 139 من 251

لقد سألنى البعض: هل انتشرت نصرانية عيسى بن مريم بالسيف؟ فقلت له: لا .. لأن السيف قضى عليها! وفي ظله حورت الوثنية الحاكمة بقايا الديانة المأكولة في شكل جديد، يوافق ما عليه الأمم. فأين مجال الصراع بين الحق والباطل؟ لقد ذابت شريعة عيسى وتلاشت أمام الضربات الأولى، وانفردت بالحكم هذه الأخلاط الجديدة من أهواء الناس، مصبوبة في قالب دين سماوى! وذاك على عكس الإسلام: فإن الحرب التى نشبت بينه وبين الوثنية، لم تضع أوزارها حتى ديست مأثرها تحت الأقدام، وبقى القرآن حرفا حرفا تحمى صحائفه، بقى تقيم حدوده دولة مهيبة السلطان! وظاهر أن القدر الأعلى زود رسالة محمدصلى الله عليه وسلم بما يجنبها المصير الذى انتهت إليه رسالة عيسى، وإلا لتحول الإسلام إلى فلسفة جديدة يضيع منها التوحيد النقى، وتكثر فيها خرافات البشر، مثل ما حدث للدين الذى سبقه. وظاهر كذلك أن المسلمين على دين عيسى ابن مريم الذى بلغه عن الله، قبل أن يقحم الناس عليه مشكلات النبوة، والتثليث، والصلب، الفداء .. ! وأن عيسى عليه السلام- لو بعث حيا- ما وسعه إلا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بأن قرآنه هو الصورة الصادقة للدين الحق منذ بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأن إنجيله- في شرح العقائد، وتقرير الإيمان- لا يختلف بتة عن هذا القرآن ...

كان التحريف الذى دخل على ديانة عيسى شؤما على العالم كله، فإن الوثنيات الأرضية مهما تعصبت تحس أخر الأمر أنها تجانب الحق في تقديسها لبعض أشياء هذا الكون، حيوانا كان أم جمادا. أما بعد أن تشتبك بعنصر سماوى وتلبس أهابا عليه طابع الوحى، فإن تعصبها لا ينفك عنها، وهو تعصب معزول عن البحث والتفكير، جرثومته الأولى: وراثة تقاليد تحيط بها مشاعر حارة، وخيالات مائعة ... والصليبية المتخلفة عن تراث عيسى- وهى عليه غريبة- لم تقبل معايشة مبدأ أخر إلى جوارها، ولم تعرف سلاما في خصومتها للآخرين ... ولذلك حظرت على دعاة الإسلام منذ ظهر- كما حظرت على دعاة التوحيد من قبل- أن يرتفع لهم صوت حيث تسود ... ص_131

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت