الصفحة 140 من 251

وليتها إذ حظرت حرية العقل والضمير، أسكنها أن تبنى المجتمعات على الإخاء والسماحة والمساواة والعدالة، لقد فشلت في ذلك فشلا يبعث على الأسى. فما قام باسمها إلا هاجمت فيه غرائز الاستعلاء والأثرة، وعربدت فيه طبائع الظلم والاستبداد والقسوة، خصوصا بين الأجناس المغلوبة على أمرها، أو التى عرفت بالمخالفة في الرأى .. ومن أين فيء الصليبية بهذه الخلال العليا، وأساس نشأتها ما علمت؟ لقد نتج عن ذلك أن الإنسانية المتوارية في هذه الأغلفة الصناعية من التدين المدخول، والكهانة الزائفة، تمردت بعد طول ركود، ثم كفرت بالدين كله. نعم مكثت هذه الصليبية نحو سبعة عشر قرنا تضم تحت جناحيها الألوف المؤلفة من البشر، وتسيرهم في سراديبها المظلمة، فما قامت لهم حضارة، ولا ازدهر بينهم علم، ولا استفاد العالم منهم شيئا، حتى انفجرت النهضة الأوروبية الحديثة انفجارا أطاح بسلطة الكنيسة في ميادين العلم والاجتماع، ثم أخذت هذه النهضة العلمانية تنتشر رويدا رويدا في أنحاء الدنيا .. والتقدم الصناعى والرقى المادى في الغرب لا صلة لهما بالدين، بل إن أردت الحق المجرد ما نما ونضجا إلا بعد التحرر من القيود الكنسية الثقيلة .. وهناك كثرة هائلة من البشر لا ترى في الصليبية أبدا ما يملأ فراغها الروحى أو يوائم سلامتها العقلية، وهى لذلك كافرة بها كل الكفر. إلا أن الإنسان هو الإنسان، لقد ارتقى ماديا في الغرب، وألفى نفسه بغتة وبيده مفاتيح الأسرار وقوى كونية كبيرة .. ماذا يصنع بها؟ وكيف يتصرف فيها؟. لقد وقف عليها بجهده الخاص فليستعملها في منفعته وحده! وليشبع بها رغائبه في المزيد من المتع، والمزيد من التسلط، والمزيد من الاستعلاء في الأرض إا .. وهنا يجىء دور الصليبية التى انكمشت أمام أشعة العلم دهرا طويلا؟ يجىء دورها لا لتعلم الإنسان أن يحسن التصرف فيما منح من تفوق وتمكين، ولا لتقول: اتق الله فيما أوتيت، واستخدمه في دعم الإخاء والسلام، كلا كلا، إنها لا تعرف شينا من ذلك، ولا تحب أن تعرف. لقد جاء دورها لترافق الغزاة وهم يبيدون الأجناس، وجاء دورها وهى ترمق المجتمعات وقد تحولت إلى مواخير، لتقول للناس: هيا إلى الاعتراف ونوال المغفرة .. !! ص_132

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت