ولكن السؤال الذى يجب أن نجيب عنه في صراحة وحسم هو: ماذا يكون الأمر إذا تعرض الإنسان فجأة وهو خالى الذهن، سليم القلب، لنزوة باغية، أو ضربة قاسية؟ أيترك نفسه فريسة سهلة لهذا الهجوم الخسيس .. أم يضطر ـ مهما كان رقيق الطبع- ليقاوم، وليرد بغضب ما وجه إليه باستخفاف واستهانة؟ أو بتعبير آخر. هل السلام ترك الإجرام من غير نكد؟ وترك المعتدين من غير عقوبة؟ وترك المظلومين دون نصير يدعم جانبهم، ويصون دمائهم وأموالهم وأعراضهم؟ إذا كان ذلك معنى السلام فليس الإسلام دين سلام، بل هو دين خصام وقصاص، غير أن العقلاء لم يشوهوا حقيقة السلام، فيجعلوها ترادف الرضا بالهوان، وقبول الدنية. وإنما فهموا السلام على أنه نبذ القتال في كل مجال يعتبر القتال فيه هضما للحقوق المقررة، أو إساءة للحقيقة ولو في أسلوب الدفاع عنها، فإن الدفاع عن الحقيقة له أساليب تناسبها سناء وشرفا. ومع أن الإسلام خير محض، وأمان مطلق، فإن موقف أعدائه منه جره جرا لأن يخوض معارك ما كان يريدها. وماذا عسى كان المسلمون يفعلون وهم يرون الوثنيين من عرب الجزيرة ينكرون عليهم حق الحياة، ويثبون على الجماعة المؤمنة بربها، فإذا هى بين شريد فار بدينه بعد أن صودرت أملاكه وأمواله، أو سجين في عقر مكة، يذوق الهوان، ويحمل الضيم؟. إن القرآن الكريم ـ وهو يحذر سفك الدم ـ يعطى المسلمين إذنا بالدفاع عن أنفسهم فيقول: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) . وليس بمستغرب أن يحض الإسلام على القتال لفك الحصار المضروب على الأسر المؤمنة بمكة، ولا يعقل أن يكون تحريضه على استنقاذ هذه الأسر المعذبة مظنة رغبة طبيعية في إراقة الدماء .. ومن ذا الذى يستسيغ هذا الاتهام وهو يسمع الآية الكريمة: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا) .ص_109