فالوثنيون لم يعلن الإسلام عليهم حربا لأنهم كفار يجب أن يهتدوا إلى الحق بالقوة، وأن يدخلوا في الدين بالإكراه كلا، فإن الإسلام يقول لأتباعه في ضرورة مسالمة هؤلاء الكافرين، وعدم التعرض لهم البتة: (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) .
فإذا تركنا جانبا هذه المغازى التى كان العرب المشركون علتها الأولى والأخيرة، ونظرنا إلى موقف الإسلام من اليهود والنصارى، وجدنا الخطأ الذى وقع فيه عباد الأصنام قد وقع فيه أهل الكتاب من يهود ونصارى ... فطالما تودد الإسلام لهؤلاء الأقوام، وأثنى عليهم، ونوه بالكتب التى نزلت على أنبيائهم، وبدأهم بإرسال الكتب وعقد المعاهدات. ولكن كثيرا من اليهود والنصارى كانوا من أحقادهم الخاصة في شغل شاغل، فلم يكترثوا باليد الممتدة إليهم، بل حاولوا قطعها. أما اليهود فقد بلونا طبيعتهم الغادرة وعرفناهم: لا أمان لهم، ولا موثق ... وأما النصارى فإن الرومان- وهم يومئذ أصحاب الدولة في العالم المسيحى كله- ما كانوا ليسمحوا لأحد أن يخرج على مذهب الدولة، ولو كان مسيحيا مثلهم، وقد اضطهدوا أقباط مصر ونصارى الشام لهذه العلة، فكيف ينتظر منهم ترك الإسلام يمشى من غير نكير؟ إن الحرب التى دارت بين المسلمين والروم، دارت لتقرير حرية الاعتقاد، ولم يدرها المسلمون لحمل شعب ما على دخول عقيدة معينة. وقد كانت الدولة الرومانية وسائر الدول الصليبية التى قامت بعدها بحاجة إلى تقرير هذه الحرية، فيستفيد منها أتباع المذاهب النصرانية المختلفة، قبل أن يستفيد منها الإسلام نفسه. والمقرر في تاريخ القرون الوسطى: أن رعايا الدولة الرومانية الذين دخلوا تحت حكم الإسلام وجدوا من سماحته ما لم يذوقوه أياما طوالا تحت حكم إخوانهم في العقيدة ... ! ذلك أن مسالمة الآخرين وترك حرياتهم الوجدانية والعقلية عنصر أصيل في سياسة الإسلام، وجزء خطير من تعاليمه العامة ... ص_110