آمنوا به أو لا تؤمنوا، إن هذا التخيير عود إلى تحريك العقل، وإيقاظه من سباته، فإن بقى على جهله فلا انتظار لإيمان منه، وإن تحرك مع المعرفة الوافدة آمن. ولذلك يقول الله بعد: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا) . والحق لا يصل إليه امرؤ مريض الغرائز شائه السريرة، كما لا يصل إليه فكر مضطرب المقدمات، متتبع للظنون والشائعات. لابد من نظافة القلب واللب معا، وسلامه الضمير والعقل جميعا. ولذلك يقول الله لداود عليه السلام: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) . ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) . وبعد أن يقول له: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) . يقول: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) . ويقول في أهل الجاهلية عموما: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين) . واضلال الله لأهل الهوى- كإسقاط الأغبياء في الامتحان- هو نتيجة عادلة لتفريطهم وتلاعبهم .. وليس إجبارا لهم على شرود- كما يظن السفهاء حين يتعرضون لفهم النصوص. ومن الظنون التى ذاعت ذيوعا هائلا- وهى لا تعدو أن تكون إشاعة ملفقة- القول بمقتل عيسى عليه السلام، ثم تأليهه على أنه رمز للفداء.ص_139