الصفحة 148 من 251

والعصور تنقضى على بعض الأفكار الرجراجة فإذا الإشاعات- التى بها- تتحول إلى عقائد، والخرافات تنقلب إلى تقاليد يحوطها التعصب، ويساندها القانون! وعندما ترقب سلوك الأفراد والجماعات ترى أحيانا أن الحاجة هى الحق. الجائع الذى يطن في أذنه نداء المعدة الخاوية يرى الرغيف أصل الحياة. والمظلوم الذى نزل به ضيم وتحرك فيه طلب الثأر يرى تشفيه أساس النظام. والطامع الذى تضطرم في نفسه آمال عريضة يحسب أمنيته مبعث الاستقرار. فإذا تضخمت هذه المعانى- بتطورها من دائرة فرد أو أفراد، إلى دائرة أمة أو أم- كانت آثارها أوسع نطاقا، وأبعد آمادا. وهكذا تنكمش الحقائق، وتتلاشى تحت ضغط المأرب الخاصة، والمطالب المحدودة، وربما تلاحقت السنون، وتعاقبت الأجيال، والناس في شغل بما يسيطر على أفكارهم الضيقة، فهم لا يدرون شيئا عما وراءه، ولو كان ما وراءه سر الحياة، وحكمة الوجود، وكنه المصير! وفي مجال البحوث النظرية، والعلوم الكونية، قد يغيب الحق لقلة المعرفة، أو شيوع الجهل، أما في المجالات النفسية والخلقية والاجتماعية والسياسية، فإن الحق يغيب- على الأكثر- لغلبة الهوى، وسيطرة الشهوات. وقد يكون الحق قريب التناول، ولكن الغرض المستحكم يحيل قربه بعدا، ويجعل الأخذ به عسرا صعبا. وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العالم، والعامة لا تعرف عن الحق شيئا، والخاصة تحلم به أملا مختصر الموضوع والعنوان. حتى إذا اتصل الملأ الأعلى بضمير النبى العربي أخذت لمع من الحق تبدو للبصائر الحائرة، والقوافل الجائرة لتدلها على الصراط المستقيم. وشرعت آيات القرآن الشريف تجلو الغشاوات التى صنعتها الأوهام، ونسجتها الغفلات، وتحذر العميان عقبى الضلال، وتغرى المستجيبين بخيرات الهدى: (و بالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا * قل آمنوا به أو لا تؤمنوا) .ص_138

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت