الصفحة 16 من 251

ثم تحركت العصبيات المكبوتة، وتفلتت من قيود الدين، ورجعت إلى العرب طبائعهم في الجاهلية، مع حرصهم في الوقت نفسه على استبقاء الإهاب الإسلامى، وظواهر التقى والإيمان. وتفرقوا شيعا فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر! فكانت عودة الحياة إلى هذه العصبيات المفرقة سببا في انهدام الدولة الإسلامية الكبرى، بل كانت سببا في انسلاخ أقطار وأقوام عن الإسلام جملة.

واعتنق الترك الإسلام، وكانوا أول عهدهم أصحاب بداوة أنقذت الإسلام من عصور الترف والانحلال التى وصلت إليها أمته ودولته. والجنس التركى كغيره من الأجناس له محامده ومثالبه، أنه شجاع تتغلغل عواطف الإيمان فيه إلى غور بعيد، بيد أن حماسه مشوب بحمق، وشجاعته تصحبها عنجهية، وهذه الخواص التى عرف بها الترك أفادت الإسلام وأضرته. أفادته في مقاتلة أوروبا بحمية أربت على حمية الصليبيين، وإصرار كسر شوكتهم عدة قرون وصليبيو أوروبا ـ كما رأيت وسترى ـ وحوش، والقسوة التى لقيهم بها الترك كانت تأديبا قامعا لهمجيتهم. إلا أن سياسة الأتراك هذه وخلافتهم العسكرية أضرتا بالإسلام في داخل بلاده وخارجها: ففى الداخل ذلت الأجناس المحكومة لعنجهية الجنس الحاكم وسيرته الخالية من الحكمة والرشاد، وفي الخارج تحولت الحرب الدينية إلى قتال ثارات وفتك، وغارات متبادلة. والإسلام برئ من هذه الحروب ـ وإن حمل الصليبيون وحدهم تبعاتها في القديم والحديث ـ فإن حروب الإسلام يجب أن تلزم الدائرة المضروبة حولها في كتاب الله وسنة رسوله. ومهما أسف الأعداء، وغلت مراجلهم بالحقد، فإن أسلوب الدعوة الإسلامية تأخير القتال بحيث لا يجئ إلا بعد استنفاد الوسائل السلمية في تأمين الحق، ورد المظالم، وتأديب الطغاة ... ص_016

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت