ومضت سنون، والأفكار الهاجمة تقتحم كل حصن، وتبتذل كل قداسة، حتى اتسعت الشقة بين الواقع والواجب ... ورأينا- ونحن محزونون- كيف نتناول شئوننا الدينية والثقافية والأدبية بكل استهانة ... وكيف أن التيار الطارىء الغريب يريد أن يغير كل شئ في حياتنا الفكرية والعاطفية، وأن يفصلنا فصلا عن ماضينا الطويل العريق، وأن يجعل بيننا وبين الإسلام بعد المشرقين ...
وقد كتبنا عن مظاهر الصراع بين التيارين اللذين يتنازعان البقاء والسيادة، وأبنا- من الناحية الإسلامية العامة- خطورة ترك التيار الأجنبى يعربد كيف يشاء ويطمس الحقائق الدينية والتاريخية خدمة للاستعمار الصليبى. ويسرنا أن نجد رجلا كبيرا من قادة الأدب والثقافة في العصر الحديث، يؤازر القافلة المؤمنة ويهاجم بقلمه الواعى، هذه الحركات المجنونة في عالم البغال! فلنثبت هنا رأى الأستاذ"عباس محمود العقاد"في هذا الموضوع:"في وسعنا أن نجمع اتجاهات الأدب العربى الحديث في اتجاهين شاملين: أحدهما الاتجاه الطبيعى، والآخر الاتجاه المصطنع، أو الاتجاه الكاذب بالقول الصريح. وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحلال بين والحرام بين، ويجوز لنا قياسا على ذلك أن نقول أن الاتجاه الطبيعى بين، والاتجاه المصطنع أو الكاذب بين، وأن الفرق بينهما يخفى على ناظر يريد أن ينظر، لأن الكائنات الطبيعية- التى تنمو أمامنا تنمو طبيعيا، وتتجه أمامنا اتجاها طبيعيا- أكثر من أن تحصى .. إن البيئة الحية تقوم على كيان مستمر لا ينقطع عن ماضيه، ولا ينفصل عن أصوله وموروثاته، ولا تزال كل خلية فيه حافظة لسجل الحياة في عصوره الماضية آلافا من السنين، يظهر منها ما يظهر ويستتر منها ما يستتر .. ومن علامات البنية الحية أيضا: أن تتغير على حسب الظروف، وأن تشتمل على قدرة متجددة، تتمكن بها من التوفيق بينها وبين ما حولها، ولا تستقر فيه استقرار الجماد .. ص_223"