الصفحة 245 من 251

وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم تحدثنا: أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة، ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه البلاد؟ وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوز الحيرة إلى بلاد الفرس، وبأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر، فلم يكونوا إذن معتزلين- ولم يكونوا إذن بنجوة من تأثير الفرس، والروم، والحبش، والهند، وغيرهم من الأمم المجاورة لهم. أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذى يسمونه الشعر الجاهلى؟ .. أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين".. ومعنى هذا القول: أن القرآن انطباع للحياة القائمة في وقت صاحبه، وهو النبى صلى الله عليه وسلم ويمثل لذلك بنية خاصة في عقيدتها، ولغتها، واتجاهها في الحياة، وعاداتها، وهى البيئة العربية في الجزيرة العربية."

على أن الهجوم الصريح على القرآن الكريم لم يلبث أن اتخذ أسلوبا آخر، فإن المصارحة بأن القرآن أثر أدبى من وضع محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنه صورة للنثر الجاهلى الفنى، أو أنه مرآة لما وصلت إليه الحياة الجاهلية من ارتقاء ثقافى واجتماعى وسياسى، كل ذلك لقى أعنف مقاومة من المسلمين، فقد استيقظ لرده السكران والصاحي، واجتمع على صده الطائع والعاصى! فلم يجد الغزو الصليبى بدا من الإيعاز لرجاله بمحاربة القرآن على نحو لا يغرى بهذه المقاومة المهتاجة، فلتبق للقرآن قداسته الاسمية، ولتهجر تعاليمه وتشاريعه، ولتضرب الأسوار الغلاظ بين هداه وبين أمته، حتى لا تكون صلة ما بين ثقافة الأمة وسياستها وشئونها الاجتماعية، وبين هذا الكتاب الكريم .. وقد انصرفت الجهود إلى هذه المحاولة، فحولت القرآن إلى كتاب يستمع إليه في أحفال الموتى، ولا يلتفت إليه في أحوال الأحياء ... ص_222

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت