والتسمية الصحيحة أن مستعمرة جنوب إفريقيا انتقل إليها حكامها الأوروبيون، فبدل أن يعيشوا في لندن وأمستردام عاشوا فوق ترابها المنكود، يستذلون أهلها عن قرب، ويسنون لهم القوانين المهينة، ويجعلون أنفسهم ملوك البلاد وملاكها. أما أصحاب البلاد الحقيقيون فهم أجراء طارئون لا وزن لهم ولا شرف .. والغريب أن هناك خطة لتستقل روديسيا، على هذا الغرار، فيملك الجنس الأبيض نواصى الأمور، ويشتغل الوطنيون بالخدمة. ثم يقال: إن الدولة مستقلة جديدة ولدت على الصعيد الدولى، وإن إفريقيا التى كانت مستعمرات كلها وليست بها إلا ثلاث دول مستقلة قد أصبحت دولا مستقلة كلها وليس بها إلا جيوب من الاستعمار البرتغالى في أنجولا ينتظر أن تنتهى!!. وبديهى أن هذا طراز من الاستقلال لا يقبله عاقل، فهو تخليد للهوان البشرى، وإضفاء صورة قانونية مزورة عليه كى يمر .. وإذا كانت التفرقة العنصرية تهدر كل قيمة لهذا الاستقلال المنتحل، فإن التفرقة الدينية لها هذا الحكم نفسه .. لقد لاحظنا أن الاستعمار الغربى عندما يشكل الحكومات التى تخلفه في إدارة البلاد التى نالت"استقلالها"يجتهد في محاربة الدين الذى تعتنقه الكثرة وفي سلب أنصاره كل طريق. إلى السلطة. إن الحكام الذين رباهم في جامعاته أو في كنائسه هم وحدهم موضع الثقة، ومناط الكفاية، وهم وحدهم بيئة الحكم، ومصدر التشريع. وقبل أن نعرض النماذج من القارة التى نعيش فيها نلفت النظر إلى حالة فيتنام الجنوبية. فإن البوذية هناك دين أربعة أخماس السكان، ولكن القلة الكاثوليكية هى التى تستبد بالدولة وتفرض عليها صبغتها، وتعامل جماهير البوذيين معاملة شائنة. إن الحريات الدينية مختنقة في هذه البلاد. وعندما شرع الرهبان البوذيون يحرقون أنفسهم في الميادين العامة كى يستصرخوا الضمائر لنجدتهم، كانت زوجة الحاكم الكاثوليكى تعدهم قطيعا من الدواب، وتقول: إنها تشم عند احتراقهم رائحة الشواء!! فأى استقلال هذا الذى