الصفحة 93 من 251

ولما أصبح الصباح ذهب كبار المشايخ إلى نابليون بونابرت نفسه، وكلموه في الإفراج عن السيدة التى باع لها الأمان بالمال من قبل ... فرضى قائد فرنسا العظيم أن يطلق سراحها، ولكن بعد أن يبيع لها الأمان مرة أخرى بالمال! .. وحدد بنفسه المبلغ: ثلاثة آلاف ريال، فدفعتها السيدة وانصرفت .. قال الجبرتى:"وذهبت إلى بيت لها مجاور لبيت القاضى، وأقامت فيه، لتكون في حمايته".

ولا شك أن القارىء في دهشة مما يقرأ، فانه اعتاد أن يرى نابليون في هالة من المجد والعظمة، كلما قرأ عنه كتابا من كتب التاريخ .. لا شك أنه في دهشة بالغة لا يكاد يصدق معها أن هذا الرجل الذى يجعله الفرنسيون مصدر فخرهم، وعنوان مجدهم، ينحط في انسانيته ومروءته إلى هذا الدرك المعيب .. ولكن مع الأسف الشديد هذا هو الواقع المر الذى نجده في مذكرات الجبرتى التى كان يكتبها يوما بيوم يسجل فيها ما رأى من حوادث تلك الأيام، وهو عالم ثقة، ومؤرخ صادق ... ولا ندرى لماذا اجتنب المؤرخون أن ينقلوا للناس ما ذكره هذا المؤرخ في مذكراته اليومية عن هذا الرجل وجنوده من صور عجيبة .. نعم صور عجيبة لم يقف فيها العجب عند بيع الأمان للنساء مرة ومرة، بل تعدى ذلك إلى بيع الأمان للخيول والثيران! .. فهذا المحارب العجيب، يطلب إلى الناس أن يقدموا له كل ما يملكون من خيل وجمال، وأبقار وثيران ... ومن عز عليه أن يقدم ذلك فعليه أن يشترى الأمان لماشيته، أى أن يصالح عنها بالمال، وفي ذلك يقول الجبرتى بالحرف الواحد:"وفي يوم الأحد طلبوا الخيول والجمال، والسلاح، فكان شيئا كثيرا .. وكذلك الأبقار والأثوار فحصل فيها أيضا مصالحات ... وأشاعوا التفتيش على ذلك وكسروا عدة دكاكين بجهة سوق السلاح وغيرها، وأخذوا ما وجدوه فيها ... وفي كل يوم ينقلون على الجمال والحمير من الأمتعة والفرش والصناديق ما لا يحصى". ولا نريد أن نعلق على تلك المخازى، فإن خير تعليق عليها هو أن نسردها كما هى.

لم يقنع نابليون ورجاله بالأموال الطائلة التى نهبوها من بيوت الأمراء، وغصبوها من ضعاف النساء، ولا بما فرضوه للمصالحة على الخيول والثيران، بل لجأوا إلى امتصاص دماء الأهالى بأسلوب يدعو إلى السخرية والمهانة .. كان نابليون قد ألفص_086

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت