مجلسا من الأهالى والشيوخ ليحكم به البلاد، يسمى الديوان .. فدعا أعضاء الديوان يوما، وطلب منهم أن يجمعوا له خمسمائة ألف! ريال"سلفة"من التجار .. وهذه السلفة على هذا النحو تبين لك أن القوم وعلى رأسهم نابليون، لم يكن لهم أقل إحساس بالكرامة، فراحوا يستجدون الناس، أو يتسولون باسم"السلفة". وليت هؤلاء المتسولين كانوا مهذبين في طلبهم، بل كانوا في منتهى الصفاقة وقلة الحياء، فإن التجار حين ضجوا منها، فرضوها عليهم بقوة الحديد والنار .. فتوسلوا وتضرعوا لكى يخففوا عنهم"سلفتهم"المشئومة، فرفض المتسولين وأبوا إلا أن يأخذوا"السلفة"كاملة غير منقوصة .. ولكن هل وقف أمر السلفة عند هذا الحد. لا، فإنهم بعد ما قبضوها لم يلبثوا أن طلبوا سلفة جديدة .. طلبوها بعد الأولى بيومين اثنين فقط، مما لم يسمع بمثله في التاريخ، فقد كانت الأولى يوم سبت، قال الجبرتى:"وفي يوم الثلاثاء طلبوا أهل الحرف من التجار بالأسواق، وقرروا عليهم دراهم على سبيل السلفة ... مبلغا يعجزون عنه ... وحددوا لهم وقتا مقداره ستون يوما يدفعونه فيه، فضجوا! واستغاثوا؟ وذهبوا إلى الجامع الأزهر، والمشهد الحسينى، وتشفعوا بالمشايخ، فتكلم المشايخ لهم، ولطفوا السلفة إلى نصف المطلوب".
واستمر الفرنسيون على هذه"البلطجة"يأخذون المال من الناس جبرا باسم السلفة تارة .. وغصبا وسلبا تارة أخرى .. وكانت جنودهم قد تفرقت في قرى الريف ومدن الأقاليم فكانوا يصنعون مع أهل القرىا ما يصنعه زملاؤهم مع أهل القاهرة، من أخذ المال بأساليب"البلطجية"الذين يعيشون"تلقيحة"على عباد الله، يغتصبون أموالهم بكل وسيلة من وسائل القوة والتهديد .. ويطول بنا القول إذا رحنا نسرد كل ما كان منهم، فنكتفى بذكر حادث واحد هو صورة مكررة لما كان يحدث في ذلك الوقت .. نزلوا بجهة الخانكة وأبى زعبل بعساكرهم وضباطهم، قال الجبرتى:! وطلبوا من الأهالى (كلفة) فامتنعوا " .. والكلفة هى الاسم الذى تستروا به للغصب والنهب في الريف كما تستر زملاؤهم بمهزلة"السلفة"في القاهرة. ص_087"