ويكفى أن نعلم أنهم كانوا يفرضون الضرائب- كما يقول الجبرتى-"على المبايعات، والدعاوى، والمنازعات، والمشاجرات، والاشهادات، والمؤجرات وقبض أجر الأملاك"وغير ذلك مما يطول استقصاؤه .. فلندع هذا الاستقصاء، فإن ما ذكرناه كاف للدلالة على أن ما ارتكبوه اليوم في بورسعيد من السلب والنهب إنها هو امتداد لما ارتكبوه من قبل في القاهرة منذ مائة وستين عاما، وهو في الحالين وحى خصوصية النذالة فيهم، وتوجيه دواعى الطبع الخسيس ..
لا أدرى لماذا لم تنشر هذه الصحائف السود عند دراسة الحملة الفرنسية على مصر؟ إن المعلومات التى تحشى بها أذهان التلامذة تغاير هذه الحقائق المخزية! حتى ليظن القارىء أن غزو فرنسا لمصر كان بركة علمية وشعلة ثقافية! ولا شك أن ذلك التاريخ المزور هو أثر الاحتلال البريطانى في صياغة العقول الجديدة وتكوين أفكار معينة بها والظالمون بعضهم لبعض ظهير .. والحق أن ما أثبتناه هنا قل من كثر من فظائع الفرنسيين بمصر يوم احتلوها حتى تم جلاؤهم عنها بعد مقاومة شعبية عامة. وقد تناول الأستاذ ساطع الحصرى هذا الوضوح كاشفا جوانب مما استخفى من هذه المآسي. فقال:"أخذت قيادة الحملة تفرض على الأهالى- على الدوام- أنواعا شتى من الضرائب والقروض والغرامات، وصارت تكثر من مصادرة الأموال والذخائر ومن تسخير الدواب والجمال، ومن إرهاق كواهل الناس بسلسلة طويلة من التكاليف. وكان قواد الحملة يقدمون- من وقت إلى آخر- على هدم عدد كبير من المبانى- بين دور وحوانيت ومساجد ومدارس وقصور، لغايات عسكرية بحتة لأ نهم كانوا يجدون ذلك ضروريا، تارة لتسهيل المراقبة على الأهالى مع منعهم من التترس والتحصن في الأزقة، وطورا لحفر الخنادق، وتشييد القلاع، وتعبئة المدافع. كما أنهم كانوا لا ينقطعون عن قطع الأشجار وتخريب البساتين لتسهيل أعمال الضبط والمراقبة من جهة، والحصول على الأحطاب الضرورية؛ لصنع المراكب وتشييد الحصون وتقوية الخنادق من جهة أخرى. ص_090"