الصفحة 99 من 251

ويجد الباحث في اليوميات التى كتبها الجبرتى من تلك الحقبة من الزمن كثيرا من الصحائف التى تصف هذه التخريبات، وتذكر أسماء أهم القصور والمساجد والمدارس والحارات التى ذهبت ضحية لأمثال هذه الأعمال والتدابير العسكرية. غير أن تخريبات الجيش الفرنسي في مصر لم تقتصر على الأموال والأشجار والمباني وحدها، بل تعدت كل ذلك إلى النفوس أيضا، فإن قواد الحملة عندما لاحظوا عدم انخداع الناس بالدعايات الساذجة التى كانوا قاموا بها تحت ستار الدين، أخذوا يسلكون مسالك القسوة والاعتساف، وصاروا يكثرون من أخذ الرهائن واعتقال الناس، وأقدموا على إعدام الكثيرين منهم لأتفه الأسباب، عقابا لهم أو تخويفا لأمثالهم، وقاموا غير مرة بأعمال تعذيبية وإرهابية فظيعة، لا تختلف كثيرا عن همجية القرون الأولى. وقد قابل الفرنسيون الثورات التى قامت في البلاد على حكمهم الجائر بمنتهى الصرامة والوحشية: أنهم صوبوا نيران مدافعهم على مختلف أحياء المدينة، وأزهقوا أرواح الآلاف من الأشخاص، وسببوا حرائق كثيرة، واسترسلوا في التعذيب والتخريب والسلب والنهب بشتى الصور والأساليب. يقول الجبرتى عن أحوال البلد عند بدء الاحتلال الفرنسى:"إنها كانت في غاية الشناعة. جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا ما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين". كما أنه يصف الفظائع التى ارتكبها الفرنسيون- من قتل ونهب وسلب عند ثورة القاهرة الثانية بقوله:"فعلوا بالأهالى ما يشيب من هوله النواصى، وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والأزقة، واحترقت الأ بنية والدور والقصور. ثم إنهم استولوا على الخانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع، وملكوا الدور وما بها من الأمتعة والأموال والنساء والخوندات والصبيان والبنات ومخازن الغلال .. وما لم تسعه السطور ولا يحيط به كتاب ولا منشور". ويصرح الجبرتى بأنهم لم يستثنوا من هذه الفظائع حتى العجزة والمسالمين قائلا:! والذى وجدوه منعطفا في داره أو طبقته ولم يحارب، ولم يجدوا عنده سلاحا نهبوا متاعه وعروه من ثيابه". وأصبح من بقى هناك على قيد الحياة"فقراء لا يملكون ما يستر عوراتهم".ص_091"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت