العلم نموذجًا قد لا يوجد له مثيل في مدن المملكة في ذلك الوقت وظل - رحمه الله- يدرس فيها ويجمع لها الكتب حتى صارت من كبريات المكتبات وبقيت المكتبة على هذه الحالة إلى أن غادر بريدة -رحمه الله- عام 1384هـ عندما عين في الحرم رئيسًا للإشراف الديني عام 1384هـ ومن الطريف والظريف ما ذكره الشيخ العبودي حين قال: (كما قرر الشيخ ابن حميد تقديم الشاي للذين يحضرون ويتباحثون من طلبة العلم) (3) . وقد ذكر الشيخ العبودي في كتاب: (عميد الرحالين) تفاصيل إنشاء المكتبة ونواة الكتب فيها وطريقة جمع الكتب وجلبها لها من مصر ومكة المكرمة بمراسلة من الوالد رحمه الله إلى الشيخ فواز السابق وذهاب الشيخ العبودي نفسه إلى مكة المكرمة لشراء نفائس الكتب بعد أن جمع الشيخ مبلغًا من المال. (4) وأصبحت هذه المكتبة الأم أول مكتبة عامة في المملكة العربية السعودية وفي عام 1379هـ تم ضمها إلى الإدارة العامة للمكتبات في وزارة التربية والتعليم (وزارة المعارف سابقًا) (5) .
هذا فيما يتعلق بالمكتبة في وظيفتها وجلب الكتب إليها وتزويدها، أما فيما يتعلق بإنشائها وبنائها. فقد أقيمت أول ما أقيمت في الطابق الثاني من المسجد الجامع في جهته الشمالية الشرقية وكان ذلك بعد قدوم الشيخ بن حميد إلى بريدة عام 1363هـ.
ومن المعلوم أن بناء المسجد والمكتبة كان باللبن والطين كما هو المألوف السائد في نجد كلها بل لا يوجد غير ذلك.
ولكن الشيخ رحمه الله بطموحه وبعد نظره وفكره المستنير ونظرا أيضًا لنظرته التوسعية وكما مر في عرض الأستاذ سليمان الرواف أن المسجد لم يعد كافيًا لاستيعاب الكتب فقد توجه نظر الشيخ إلى نقل المكتبة خارج المسجد وإنشاء مقر لها وكما وصف الأستاذ الرواف فقد كان طموح الشيخ أن يكون البناء مسلحا بالحديد والأسمنت على الطريقة الحديثة بل الحديثة جدا في ذلك الوقت ولو قيل إنه لا يوجد في نجد كلها بناء مكتبة مسلح سوى هذه المكتبة لم يعد القائل الحقيقة. وكما سوف يأتي من الحديث عن بناء المسجد الجامع إن شاءالله فعزم الشيخ رحمه الله على اختيار المقر للمكتبة وكتب للجهات العليا والتي كان تجاوبها مع رغبة الشيخ سريعة فتم إنشاء المبنى على أحدث طراز في تصحيحه وتشييده وفي قاعاته وخزاناته وتهيئته لاستقبال الطلاب ورواد المكتبة كما فصل وصفه الاستاذ سليمان الرواف. وقد كنت احضر على الوالد رحمه الله حلقة في الفقه ضحى النهار في الإجازة الصيفية في كتاب أخصر المختصرات في الفقه.
فالشيخ يعقد فيها الحلقات العلمية في فترة الضحى أما بعد العصر فهي للقراءة الحرة.
سأتطرق في هذه الحلقة الثالثة من سيرة والدي الشيخ عبدالله بن حميد يرحمه الله إلى موضوعين وهما بناء الجامع الكبير في بريدة والنزهة البرية وعن ايراد لبعض فتاواه يرحمه الله.
** إعادة بناء المسجد الجامع الكبير بالبناء المسلح وإدخال مكبر الصوت:
احتاج الجامع الكبير لإعادة بناء نظرًا لتقادم عمارته والبناء السائد للبيوت والمساجد بالطين واللبن ولكن الشيخ - رحمه الله - وهو المتابع للجديد عرف أن البناء المسلح بالحديد والأسمنت بدأ الأخذ به في المدن الكبرى كالرياض ومكة المكرمة وجدة فرفع رحمه الله هذه الرغبة إلى الجهات العليا فكانت الاستجابة سريعة بالاذن والالتزام بالتكاليف بل أن الشيخ نظرًا لطموحه وبعد نظره فقد رفع الرغبة عن المسجد والمكتبة كما سبقت الاشارة فجاءت الموافقة على الجميع من جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله. وللعلم فلم يكن هناك بناء مسلحا في بريدة بل لعله في القصيم كله سوى هذا المسجد الجامع والمكتبة وبناء المستشفى ثم المعهد العلمي ثم بعد ذلك توالى البناء بهذا النوع الجديد.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جاء إلى الشيخ - رحمه الله - بعض وجهاء البلد مستنكرين من الشيخ هذا التوجه حتى قال بعضهم لو أنكم أعدتم بناء المسجد على الطريقة القديمة من اللبن والطين وأذنتم لبعض القادرين بالتبرع فيتبرع بعضهم بالجريد وبعضهم بالخشب وبعضهم بالطين حتى يشترك الجميع في الأجر فما كان من الشيخ الى أن قال لهذا الوجيه: أنتم تعرفون أن البناء بهذه الطريقة ضعيف ولا يعمر معه المسجد كثيرًا كما هو الحال في البناء السابق الذي لم يدم أكثر من سبعة عشر عامًا ولهذا إن كنت مصممًا على هذا أو مصرًا عليه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)