لا بد لطالب الفقه من دراسة أصوله ومعرفتها حتى يكتسب تأصيلًا فقهيًا، عن طريق معرفة الكليات والقواعد الكبرى التي تقوده إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فأهمية هذه الأصول للمتفقه عظيمة، يقول ابن قدامة المقدسي، معرفًا هذه الأصول: «أصول الفقه أدلته الدالة عليه من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل» (31) ، ويقول ابن بدران: «واعلم أنه لا يمكن للطالب أن يصير متفقهًا ما لم تكن له دراية بالأصول ولو قرأ الفقه سنين وأعوامًا، ومن ادعى غير ذلك كان كلامه إما جهلًا وإما مكابرة» (32) .
فلا بد من العناية بأصول الفقه ودراسة كتبه السالمة من اصطلاحات المتكلمين وتفيقههم؛ ككتاب الرسالة للإمام الشافعي، والموافقات للإمام الشاطبي، وإعلام الموقعين للإمام ابن القيم.
4 ـ دراسة القواعد الفقهية التي تجمع للدارس شتات المسائل:
تلك القواعد التي لا بد للمتفقه منها حتى يتسنى له النظر الفقهي؛ إذ هي عظيمة النفع، جامعة لما تشتت من المسائل الفقهية، وقد رفع العلماء على مر التاريخ من شأن هذه القواعد، واعتبروها من أجل العلوم، يقول القرافي: «وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويُعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق مَنْ فيها بَرَع» (33) .
والقواعد نوعان: نوع مجمع عليه؛ كالأمهات التي تندرج تحتها معظم أبواب الفقه، مثل: (الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة، إعمال الكلام أولى من إهماله) ، فهذه ليست خاصة بمذهب معين.
ونوع آخر مختلف فيه باعتباره أقل شمولية من القواعد السابقة، وهو قواعد كثيرة، منها: (الضرورات تبيح المحظورات، الحدود تسقط بالشبهات، لا يجمع بين معاوضة وتبرع، الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) .
وقد اختص كل مذهب من المذاهب الأربعة بمؤلفات في القواعد الفقهية؛ ففي المذهب الحنفي يُعدّ (الأشباه والنظائر) لابن نجيم من أحسن ما عندهم، وفي المذهب المالكي يُعدّ كتاب (القواعد الفقهية) للمقري وكتاب (الفروق) للقرافي من أحسن وأشهر ما ألف في القواعد على مذهب مالك، أما الشافعية فمن أجمل المؤلفات لديهم في القواعد الفقهية كتاب (الأشباه والنظائر) للإمام السيوطي، وأما الحنابلة فمن أحسن مؤلفاتهم (القواعد الفقهية) لابن رجب الحنبلي.
5 ـ ضرورة دراسة المتفقه علم مقاصد الشريعة:
تلك المقاصد التي يفهم من خلالها الدارس الغايات الكبرى المقصودة من الشارع، والتي راعاها أثناء التشريع ووقت نزول الأحكام، وجعل أساسها حفظ الضروريات الخمس: (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ المال، وحفظ النسل) .
وقد اعتبر العلماء علم المقاصد شرطًا من شروط الفقه والاجتهاد والفتوى. ومن أهم الكتب المؤلفة في علم المقاصد كتاب الإمام أبي إسحاق الشاطبي المسمى (الموافقات) ، ذلك الكتاب الذي يعد بحق أمًا وأصلًا للمؤلفات في المقاصد، وقد رتب الإمام الشاطبي في هذا الكتاب علم المقاصد وأصله وحققه وهذبه، كذلك يُعدّ كتاب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور التونسي (مقاصد الشريعة الإسلامية) من أهم ما ألفه المتأخرون في هذا العلم؛ فهذان الكتابان من أجل المصنفات في علم المقاصد.
6 ـ دراسة علم الفروق:
الذي يتمكن الدارس به من التفريق بين المسائل الفقهية المتشابهة؛ فيفرق مثلًا بين أنواع الربا المحرمة والبيوع المباحة، ويستلهم عللها التي قد يتبين بها تحوُّل البيع من الإباحة إلى التحريم .. ، إلى غير ذلك؛ فعلم الفروق شرط لاكتمال ملكة الفقه، وقد عد كثير من العلماء علم الفروق واجبًا لتحصيل درجة الفتيا والاجتهاد وكمال المستوى الفقهي لدى الدارس، يقول الإمام السيوطي: «اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم؛ به يُطّلَع على حقيقة الفقه ومدارسه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج ومعرفة الأحكام التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر» (34) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)