والثاني: - وهو الأحسن: أن يكون إشارة إلى طلب المغفرة متفضل بها من عند الله تعالى ولا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب وهذا تبرؤ من الأسباب والإدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبا عقليا والمغفرة الستر في لسان العرب والرحمة من الله تعالى - عند المنزهين من الأصوليين عن التشبيه - أما نفس الأفعال التي يوصلها الله تعالى من الإنعام والإفضال إلى العبد وأما إرادة إيصال تلك الأفعال إلى العبد فعلى الأول: هي من صفات الفعل وعلى الثاني هي من صفات الذات.
وقوله:"إنك أنت الغفور الرحيم"صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما قبله فالغفور مقابل لقوله:"فاغفر لي"والرحيم مقابل لقوله:"ارحمني"وقد وقعت المقابلة ههنا للأول بالأول والثاني بالثاني وقد يقع على خلاف ذلك بأن يراعي القرب فيجعل الأول للأخير وذلك على حسب اختلاف المقاصد وطلب التفنن في الكلام ومما يحتاج إليه في علم التفسير: مناسبة مقاطع الآي لما قبلها والله أعلم.
6 -عن عائشة رضي الله عنها قال:"ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد أن نزلت عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1] - إلا ويقول فيها:"سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"1."
وفي لفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده:"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"2.
حديث عائشة فيه مبادرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى امتثال ما أمره الله تعالى به وملازمته لذلك.
وقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [النصر: 3] فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المراد أن يسبح بنفس الحمد لما يتضمنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى وحده وفي ذلك نفي الشركة.
الوجه الثاني: أن يكون المراد: فسبح متلبسا بالحمد فتكون الباء دالة على الحال وهذا يترجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سبح وحمد بقوله"سبحانك وبحمدك"وعلى مقتضى الوجه الأول: يكتفي بالحمد فقط وكأن تسبيح الرسول على هذا الوجه دليلا على ترجيح المعنى الثاني.
وقوله:"وبحمدك"قيل معناه: وبحمدك سبحت وهذا يحتمل أن يكون فيه حذف أي بسبب حمد الله سبحت ويكون المراد بالسبب ههنا: التوفيق والإعانة على التسبيح واعتقاد
1 البخاري"4967"ومسلم"484""219".
2 البخاري"817"ومسلم"484"من حديث عائشة.