فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 549

وقد قيل في قوله:"فعليه بالصوم"بأنه إغراء للغائب وقد منعه قوم من أهل العربية والوجاء الخصاء وجعل وجاء: نظرا إلى المعنى فإن الوجاء قاطع للفعل وعدم الشهوة قاطع له أيضا وهو من مجاز المشابهة.

وإخراج الحديث لمخاطبة الشباب: بناء على الغالب لأن أسباب قوة الداعي إلى النكاح فيه موجودة بخلاف الشيوخ والمعنى معتبر إذا وجد في الكهول والشيوخ أيضا.

2 -عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال بعضهم: لا آكل اللحم وقال بعضهم: لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال:"ما بال أقوام قالوا كذا؟ لكني أصلي وأنام وأصوم وافطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"1.

يستدل به من يرجح النكاح على التخلي لنوافل العبادات فإن هؤلاء القوم قصدوا هذا القصد والنبي صلى الله عليه وسلم رده عليهم وأكد ذلك بأن خلافه: رغبة عن السنة ويحتمل أن تكون هذه الكراهة للتنطع والغلو في الدين وقد يختلف ذلك باختلاف المقاصد فإن من ترك اللحم - مثلا - يختلف في حكمه بالنسبة إلى مقصوده فإن كل من باب الغلو والتنطع والدخول في الرهبانية: فهو ممنوع مخالفة للشرع وإن كان لغير ذلك من المقاصد المحمودة كمن تركه تورعا لقيام شبهة في ذلك الوقت في اللحوم أو عجزا أو لمقصود صحيح غير ما تقدم: لم يكن ممنوعا.

وظاهر الحديث: ما ذكرناه من تقديم النكاح كما يقوله أبو حنيفة ولا شك أن الترجيح يتبع المصالح ومقاديرها مختلفة وصاحب الشرع أعلم بتلك المقادير فإذا لم يعلم المكلفة حقيقة تلك المصالح ولم يستحضر أعدادها: فالأولى اتباع اللفظ الوارد في الشرع.

3 -عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:"رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا".

التبتل: ترك النكاح ومنه قيل لمريم عليها السلام البتول وحديث سعد أيضا من هذا الباب لأن عثمان بن مظعون ممن قصد التبتل والتخلي للعبادة مما هو داخل في باب التنطع والتشبه بالرهبانية إلا أن ظاهر الحديث: يقتضي تعليق الحكم بمسمى التبتل وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] فلا بد أن يكون هذا المأمور.

1 البخاري"5063"ومسلم"1401".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت