السابع: قوله صلى الله عليه وسلم:"وأعطيت الشفاعة"قد ترد الألف واللام للعهد كما في قوله تعالى: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 16] وترد للعموم نحو قوله صلى الله عليه وسلم:"المسلمون تتكافأ دماؤهم"1 وترد لتعريف الحقيقة كقولهم: الرجل خير من المرأة والفرس خير من الحمار.
إذا ثبت هذا فنقول: الأقرب أنها في قوله صلى الله عليه وسلم:"وأعطيت الشفاعة"للعهد وهو ما بينه صلى الله عليه وسلم من شفاعته العظمة وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام بتعجيل حسابهم وهي شفاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم ولا خلاف فيها ولا ينكرها المعتزلة والشفاعات الأخروية خمس إحداها: هذه وقد ذكرنا اختصاص الرسول بها وعدم الخلاف فيها وثانيتها: الشفاعة في إدخال قوم الجنة من دون حساب2 وهذه قد وردت أيضا لنبينا صلى الله عليه وسلم ولا أعلم الاختصاص فيها ولا عدم الاختصاص وثالثتها: قوم قد استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم لها وهذه أيضا قد تكون غير مختصة ورابعتها: قوم دخلوا النار فيشفع في خروجهم منها وهذه قد ثبت فيها عدم الاختصاص لما صح في الحديث من شفاعة الأنبياء والملائكة وقد ورد أيضا:"الإخوان من المؤمنين يشفعون"3 وخامستها: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها وهذه أيضا لا تنكرها المعتزلة.
فتلخص من هذا: أن من الشفاعة منها ما علم الاختصاص به ومنها: ما علم عدم الاختصاص به ومنها: ما يحتمل الأمرين فلا تكون الألف واللام للعموم فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تقدم منه إعلام الصحابة بالشفاعة الكبرى المختص بها هو التي صدرنا بها الأقسام الخمسة فلتكن الألف واللام للعهد وإن كان لم يتقدم ذلك على هذا الحديث فلتجعل الألف واللام لتعريف الحقيقة وتنزل على تلك الشفاعة لأنه كالمطلق حينئذ فيكفي تنزيله على فرد.
وليس لك أن تقول: لا حاجة إلى هذا التكلف إذ ليس في الحديث إلا قوله:"وأعطيت الشفاعة"وكل هذه الأقسام التي ذكرتها: قد أعطيها صلى الله عليه وسلم فليحمل اللفظ على العموم.
لأنا نقول: هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها صلى الله عليه وسلم فلفظها - وإن كان مطلقا - إلا أن ما سبق في صدر الكلام: يدل على الخصوصية وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"لم يعطهن أحد قبلي".
وأما قوله:"وكان النبي يبعث إلى قومه"فقد تقدم الكلام عليه في صدر الحديث والله أعلم.
1 أخرجه بهذا اللفظ أحمد بسند حسن"6692""6797""6970"وأبو داود"2751".
2 مسلم في حديث طويل"194".
3 البخاري من حديث طويل"7439"وفيه"فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار"مسلم"183"ولفظه من حديث طويل"فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع المؤمنون".