ولقد علم المسلمون أول ما علموا، أن هذا البلاء زاد المسلم إلى الجنة، وصفحته يوم الميعاد، وما على الرسول إلا البيان، وأنّ عليهم التّمكين لهذا البيان، ونصر الله صنو جهاد العبد وكفاحه وصبره، على هذا رسالات السماء، وعلى هذا رسل السماء إلى العباد، يهبط الهدى حين تشيع الظلمة، ويتلقّف الهدى رسول مختار، يصطفيه الله صادقا جلدا صبورا، فإذا الناس معه على الطريق، لهم مثل صدقه وجلده وصبره، همّهم مثل همّه، نصراء للحق، ينصرونه بصدقهم وجلدهم
وصبرهم، لا يحرصون على الحياة، ولا يغريهم متاعها، وإذا هم حين يؤيّدون رسالة السماء، قد أيّدتهم رسالة السماء، وإذا الدنيا معهم على هذا الحق، وإذا هم سادة الدّنيا بهذا الحق.
على هذا عرف المسلمون محمدا، وبهذا قدّم محمد نفسه للمسلمين، لم يطمعوا في أن تكشف السماء عنهم ضرّا لم يشمّروا هم لكشفه، ولا في أن تزيح عنهم السماء بلاء لم يتهيّئوا هم لإزاحته، كما لم يجعلوا كلمة التوحيد وحدها سلاحهم على أعدائهم، وعدّتهم التى بها يقوون، بل جعلوا هذه الكلمة هى اللّبنة الأولى في صرح إيمانهم، وانضم بها بعضهم إلى بعض، يتناصحون، والرسول من بينهم يملى عليهم ويشير.
على هذا عاهد المسلمون الله، وعلى هذا عاهد المسلمون الرّسول، عاهدوا الله على أن يناصروا رسوله، وعاهدوا الرّسول على أن يناصروا رسالته، ثم عاهدوا أنفسهم على البذل للتّمكين للرسالة، لا يسألون الله نصرا قبل أن يسألوا أنفسهم بذلا.
وعلى هذا عاش منهم في مكة من أنس في نفسه قوة على احتمال الأذى، ولم يخش أن يفتن في دينه، وهاجر منهم إلى الحبشة من لم يقو على احتمال الأذى، وخاف أن يفتن في دينه، حتى إذا كانت الهجرة إلى المدينة، لم ينظر المهاجرون إلى وطن عزيز عليهم، وأهل أقرباء، إلى نفوسهم، ومال هو قوام حياتهم، وإنما نظروا إلى عقيدة هى لهم الحياة كلها، وطنا وأهلا ومالا.
وسرعان ما لحق بهم الرسول إلى المدينة، ليبدأ بالمهاجرين معه من مكة، وبالأنصار أهل المدينة، مرحلة جديدة من مراحل الدعوة،
كانت معها حروب، وكانت معها تضحيات، وكان نصر الله صنو نصر المسلمين لرسوله ولرسالته.