وكانت حكمة السّماء في هذا الصّبر أن يخرج الرسول بالأمة العربية من بعده، على ودّ لم يعكّره عداء أو عدوان، وكانت حكمتها في الإرخاء فيه إلى أن بلغ ثلاثة عشر عاما، أن تعذر إلى من لم يسلموا، ولم يكونوا غير أهل وإخوان، الإعذار كلّه، فلا تذر في أيديهم سببا من أسباب اللّوم، ثم كانت حكمة السّماء في هذا الصّبر الطويل أن تخلق في المسلمين قوة الاحتمال والجلد والأناة والتّرفّق، إلى غير ذلك من صفات تعوز النفوس المقبلة على مهامّ جسيمة، وهل كانت رسالة الاسلام إلا رسالة جسيمة.
حتى إذا ما أعذر المسلمون إلى إخوانهم، وأبلغوا في الإعذار، وصبروا وأمعنوا في الصّبر، لم يكن بدّ من أن تتولّى حكمة السماء هؤلاء الصابرين بتدبير، يحفظ عليهم صبرهم من أن ينفد، ويحفظ عليهم وجودهم من أن يستذلّ، وترعى لهم كيانهم من أن يهان، وما جاءت الدّعوة الجديدة إلا لتحمى لهؤلاء وجودهم وكيانهم، لهذا أذن للرّسول في أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين.
ونحن إذا تتبعنا الغزوات غزوة غزوة، والسّرايا سريّة سريّة، والبعوث بعثا بعثا، لا نجدها خرجت جميعها إلا لتدفع غزوا، أو لترهب حتى تمنع غزوا.
فلقد خرج حمزة على أول بعث بعد سبعة أشهر من الهجرة، ليلقى عيرا لقريش فيها أبو جهل، قادمة من الشام، وكان هذا البعث الأول نذيرا لقريش، علّه يكفّها عن غيّها، لم يقصد فيه المسلمون إلا إلى هذا، فحين دخل بين الفريقين رجل صلح كفّ المسلمون أيديهم، ولم يدخلوا في قتال.
وبعد شهر من هذا البعث خرجت سريّة لتلقى أبا سفيان في نفر من أصحابه، وكانت بين الفريقين مناوشة، أصيب فيها سعد بن أبى وقّاص، بسهم من سهام المشركين، فكان أول سهم أصيب به مسلم في الإسلام.
ثم كانت سريّة سعد بن أبى وقاص، التى خرجت تعترض عيرا لقريش، فمرّت العير ولم تقع عليها السريّة.
وعلى رأس اثنى عشر شهرا من الهجرة خرج رسول الله وجمع من
المسلمين يريدون ودّان الأبواء حيث عير لقريش، وحيث بنو ضمرة الذين كانوا يعينون عليه، ورجع رسول الله بمن معه من هذه الغزوة، بعد أن صالحته بنو ضمرة على ألا تعين عليه. ولقد فاتته عير قريش في هذه الغزوة، كما فاتته في غزوة بعدها، هى غزوة بواط (1) ، وكانت بعد شهر من غزوة ودّان.