وفى المدينة عاش الرسول نحوا من أحد عشر عاما، وقعت فيها الغزوات كلها، والسّرايا والبعوث كلها، وعلى الصّحيح في تسع منها، لأن أول بعث كان في السنة الثانية من الهجرة. وإذا علمنا أن مجموع تلك الحروب كان نحوا من خمس وستّين، علمنا أنّ نصيب كلّ عام من تلك الأعوام من هذه الحروب بلغ الثمانى، أى إنه، صلى الله عليه وسلم، كان له في كل شهر تدبير جيش، ولقاء عدوّ، هذا إلى تلك التّشريعات
الكثيرة التى وضعها عن أمر ربّه، والحدود التى بيّنها بوحى من ربّه، ثم ما بين هذا وذاك من لقاء وفود، ولقاء أفراد، وكتب إلى الملوك والأمراء، وقيام بأمور المسلمين جميعا، وما كان أكثرها.
ترى في ظلّ هذا كلّه كيف كان الرسول يفرغ لشأنه، وكم من ساعات يومه كانت له خالصة، ونحن نعلم، إلى هذا الذى ذكرناه له من واجبات، واجبات أخرى، كانت لربّه يختصها بالعبادة.
هذه هى حياة أعوام تسعة، رأيت كيف ملأت الواجبات الثّقال صفحاتها، ورأيت كيف شغل فيها الرسول بتدبير شئون العقيدة شغلا متّصلا.
ومن الغريب أن هذه الأعوام التسعة، التى لا نكاد نجد فيها بين ساعاتها ساعة كانت للرسول خاصة، هى الأعوام التى يتطاول المتقوّلون فيقولون: إن الرسول عاش فيها لمتاعه، وإنه بنى فيها بأربع عشرة امرأة.
وهذا التّطاول يردّه ما قدّمت، ويردّه أن الرسول في شبابه لم تعهد عليه ريبة، وقد بنى بخديجة وهو في الخامسة والعشرين، وبقى معها إلى أن توفاها الله قبل الهجرة بأعوام ثلاثة، كما مرّ بك. وكان عمره إذ ذاك خمسين سنة.
وكانت أول امرأة تزوّجها بعد وفاة خديجة هى سودة بنت زمعة، وكانت تحت ابن عمّها السّكران بن عمرو، وكان السكران هو وزوجته من مهاجرة الحبشة، وحين رجع بزوجه من الحبشة إلى مكة مات بها، ولم يكن له عقب يرعى سودة، فتزوّجها الرسول.
ولم يتزوج رسول الله بكرا غير عائشة بنت أبي بكر، وبنى بها بالمدينة، كما تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت تحت خنيس بن حذافة السّهمي، ثم مات خنيس فعرضها عمر على أبي بكر فلم يجب، ثم عرضها على عثمان فسكت، ورأى الرسول الأسى في وجه عمر فضم حفصة إليه.