وروحا عالية، وقلبا كبيرا، وذهنا وقّادا، وبصيرة نفاذة، ولسانا مبينا، وفكرا واعيا، ووهبه من الثانية صدق لسان، وطهارة ذيل، وعفّة بصر، وأمانة يد، ورحمة قلب، ورقة وجدان، ونبل عاطفة، ومضاء عزيمة، ورحمة للناس جميعا.
وكان اختيار الله له، أميّا لا يقرأ ولا يكتب، يضيف إلى إذعان الناس له وإيمانهم برسالته سببا يفسره تعالى في قوله: {وَمََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَلََا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [1] ، ويبيّنه صدور هذا الوحى على لسانه يتلوه على قومه بكرة وعشيّا، ولا تبديل فيه ولا تغيير، وما يقوى على مثلها إلا من يملك أسفارا يعود إليها ليستظهر ما فيها.
وليس في منطق الرسالات أن تكون الحجة للناس عليها، بل هى لا تطالع الناس إلا والحجة لها عليهم، كما لا تطالعهم إلا وفى صفحاتها الجواب على كل ما يصوّره لهم تصوّرهم تحوط السماء رسالاتها بهذا كله لكيلا يكون للناس على الله حجة، وليكون منطق الرسالات من منطق الناس، لا تلتوى عليهم الرسالة فيلتووا هم عليها.
ولم يكن اختيار محمد قارئا وكاتبا شيئا يعز على السماء، ولكنه كان شيئا إن تم يهوّن من حجة السماء في نفوس الناس، وكانوا عندها يملكون أن يقولوا باطلا، ما حرص القرآن على ألا يقولوه: من أن هذا الذى جاء به الرسول أخذه من أسفار سابقة.
وهذه التى ألزمتها حجة السماء السلف من قبل، فأذعنوا لها عن وعى
(1) العنكبوت: 48.