ولم تكن البيئة العربية على هذا بيئة كاتبة قارئة، بل كان ذلك فيها شيئا يعد ويحصى، وكان حظ المدينة من ذلك دون حظ مكة، ولم يكن في المدينة، حين هاجر إليها الرّسول، غير بضعة عشر رجلا يعرفون الكتابة، منهم: سعد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورافع بن مالك، وأوس بن خوليّ.
ولقد أحسّ الرسول ذلك بعد هجرته إلى المدينة، فكان أول ما فعله بعد انتصاره في بدر، وأسره من أسر من رجال قريش القارئين الكاتبين، أن جعل فدية هؤلاء أن يعلّم كل رجل منهم عشرة من صبيان المدينة، وبهذا بدأت الكتابة تروج سوقها في المدينة.
حتى إذا كان عهد عمر بن الخطاب أمر بجمع الصبيان في المكتب، وأمر عبد عامر بن عبد الخزاعي أن يتعهدهم بالتعليم، وجعل له رزقا على ذلك يتقاضاه من بيت المال.
وكان المعلم يجلس للصبيان بعد صلاة الصبح إلى أن يرتفع الضحى، ومن بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر.
وحين خرج عمر إلى الشام وغاب عن المدينة شهرا استوحش إليه الناس، وخرج صبيان المكتب للقائه على مسيرة يوم من المدينة، وكان ذلك يوم الخميس، ورجعوا معه إلى المدينة يوم الجمعة، وقد انقطعوا عن المكتب يومين أجازهما لهم عمر، وكانت بعد ذلك عادة متّبعة [1] .
وحين اختار الله لرسالته محمدا اختار فيه صفات حسّية وصفات معنوية، أمدهما به وطبعه عليهما، فوهبه من الأولى نفسا قوية،
(1) عنوان البيان. الفواكه الدواني على رسالة أبي زيدون القيرواني.