فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 269

غير أن البحث في الأدلّة العقلية، والإعلاء من شأن العقل عند المعتزلة لم

يكن أثرا من آثار الفكر الأجنبي فحسب، ذلك أن القول بقدرة الانسان على الفعل والاختيار ومسئوليته عن هذا الفعل يتضمن بالضرورة اعترافا بوجود قوة مميّزة لدى الانسان تدفعه للاختيار بين الممكنات المختلفة، ومن ثم تحدد مسئوليته عن اختياره. والقرآن الكريم نفسه قد أعلى من شأن العقل وجعله مناط المسئولية الانسانية، وذمّ أولئك الذين لا يعقلون ولا يفقهون. ولقد احتفت الأوساط الدينية الاسلامية منذ أوائل القرن الثاني الهجري وأواخر القرن الأول بحديث يعلي من شأن العقل ويجعله أول المخلوقات وأكرمها على الله «أول ما خلق الله العقل. فقال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر. ثم قال الله عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب وبك أعاقب» . وبصرف النظر عن المعاني التي حملها هذا الحديث بعد ذلك فإن الذي يهمنا من الاستشهاد به هو بيان مدى احتفاء كافة الفرق والإتجاهات الاسلامية بالعقل وإن اختلفت في تحديد مدى نشاطه وميادينه.

وثم عامل هام له أثره في تمجيد المعتزلة لشأن العقل، واعتبار المعرفة هي أساس التمايز بين البشر بدلا من عوامل العرق والنسب والوراثة. ونعني بذلك العامل تلك العصبية البغيضة التي بدأت بوادرها في أواخر العصر الأموي مقارنة لنشأة الاعتزال تقريبا والتي وصلت أقصى درجات تطرفها في العصر العباسي «فقد كانت القومية الفارسية تعتبر نفسها ندّا للقومية العربية منذ آخر عهد الأمويين، مما مهّد لنصرها بقيام الخلافة العباسية على أكتافها» وبالتالي ازدادت المشكلة حدة، خصوصا في عهد المأمون الذي أعطى للعنصر الفارسي سيادة مطلقة في شئون الحكم والدولة. وإذا كان الفرس يفخرون على العرب بحضارتهم وفلسفتهم وتراثهم الفكري، ويتهمونهم بأنهم شعب بدوي لا تسنده حضارة أو فلسفة، ومن ناحية أخرى إذا كان العرب يفخرون على الفرس بأنهم أشرف الأمم لأن التنزيل إليهم نزل، ومنهم النبي الخ، كل ذلك مما نجده مبثوثا في كتب الجاحظ ورسائله. إذا كان الأمر كذلك، فقد كان من الطبيعي أن يحاول المعتزلة أن يقفوا من هذا الصراع موقفا يتسم بالتعقل. ويعدّ الاعلاء من شأن العقل والمعرفة محاولة لرفع التفاخر بالأنساب والعصبيات والأجناس، ورد قيمة الانسان اجتماعيا ودينيا إلى قيمة يتساوى الناس في ملكيتهم لها، وإن اختلفوا تبعا لمدى استخدامهم لها. ولا يجب في هذا الصدد أن ننسى أن كبار رجال المعتزلة ورؤساءهم كانوا من الموالي «فواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مؤسسا المذهب والمعروفان بالتقوى والصلاح كانا من الموالي، وأبو الهذيل العلاف شيخ معتزلة البصرة من موالي عبد القيس، وإبراهيم بن سيّار النظّام أستاذ الجاحظ بصري

من موالي آل زياد، وثمامة بن أشرس من شيوخ معتزلة البصرة من موالي بني نمير، والجاحظ العالم المعتزلي الأشهر ذو الثقافة الموسوعية كان من موالي البصرة كذلك»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت