ومن ناحية أخرى يبدو أن المسألة حتى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع لم تكن قد حسمت بهذا الوضوح الكامل فالامام يحيى بن الحسين (ت 298هـ) الشيعي المعتزلي يوسّع من المفهوم كثيرا حين يقول: «اعلم أن القرآن محكم ومتشابه وتنزيل وتأويل، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وحلال وحرام، وأمثال وعبر وأخبار وقصص. وظاهر وباطن. وكل ما ذكرنا يصدق بعضه بعضا، فأوله كآخره، وظاهره كباطنه، ليس فيه تناقض وذلك أنه كتاب عزيز جاء من رب عزيز على يدي رسول كريم» ولكنه حين يتعرّض للرد على القدرية أو المشبهة يبدأ بايراد الآيات التي يحتجون بها ثم يؤولها تأويلا يتفق مع حرية الارادة الانسانية. ويبدو من تأويلات الامام يحيى التنبه الدائم لفكرة السياق كأساس يردّ به على المحتجين. يقول: «ثم احتجوا بقوله، سبحانه: {وَأَضَلَّهُ اللََّهُ عَلى ََ عِلْمٍ، وَخَتَمَ عَلى ََ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى ََ بَصَرِهِ غِشََاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللََّهِ، أَفَلََا تَذَكَّرُونَ} وجهلوا ما قبل ذلك من قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ} وعبده من دون الله، وعلم ذلك منه ومن فعله، فأضلّه الله بعد ما فعل وبعد ما كان منه، ولعلمه أنه لا يؤمن ولا يدع ما هو عليه من الكفر. فهذا معنى علم الله به، لم يدخله العلم في شيء ولم يحل بينه وبين شيء، وإنما أخبر باضلاله والاضلال من الله إنما هو في اهماله وترك تسديده وتوفيقه للخير» .
وإذا لم تسعفه فكرة السياق في الآية نفسها، فإنه يلجأ والحالة هذه إلى الاستشهاد بآية محكمة ترد اليها هذه الآية التي يستشهد بها الخصوم وتؤول على أساسها. والقاعدة العامة للمفسر عند الامام يحيى أنه «إذا مرّ عليه شيء من القرآن يقع عنده أنه مخالف لهذه الآيات (يعني قوله تعالى {إِنَّ اللََّهَ لََا يَأْمُرُ بِالْفَحْشََاءِ}
{وَلََا يَرْضى ََ لِعِبََادِهِ الْكُفْرَ} فليعلم أن تفسيره مثل تفسير المحكم، إلّا أنه جهل تفسيره».
وكل هذه المحاولات التأويلية تقود الامام يحيى إلى أبحاث دلالية حول معاني بعض الكلمات التي كانت مثار خلاف بين المعتزلة وخصومهم في القرآن، مثل معنى الهدى، والضلال، والعبادة، والارادة، والاذن والكفر والشرك والزكاة. وتعدّ هذه الابحاث الدلالية حول معنى الكلمات في القرآن امتدادا «للأشباه والنظائر» عند مقاتل، ومثيلتها عند ابن قتيبة في «تأويل مشكل القرآن» .
والفارق بين أبحاث الامام يحيى وأبحاث من سبقه أنه يدخل فيها فكره الاعتزالي ويخضعها له مخلصا لمبدأ اخضاع المحكم والمتشابه معا للعقل، ثم تأويل المتشابه برده إلى المحكم الذي يؤكد ثمار العقل والنظر السليم. ويكاد الامام يحيى أن
يستوعب في مادتي «الهدى» و «الضلال» تأويل كل الآيات المتشابهة في موضوع «العدل» . يقول «الهدى من الله عز وجل، هديان: هدى مبتدأ، وهدى مكافأة، فأمّا الهدى المبتدأ: فقد هدى الله به البر والفاجر، وهو العقل والرسول والكتاب، فمن انصف عقله وصدّق رسوله وآمن بكتابه، وحلل حلاله وحرّم حرامه، استوجب من الله الزيادة.