فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 269

لم يكن المفسّر القديم إذن بعيدا عن الجدل والصراع الكلامي، ومن ثم لم يكن استخدامه لوسائله التحليلية للنص القرآني بعيدا عن هذا الجدل. وليست كلمة «المثل» في الآية التي حاول ابن عباس تعديل قراءتها بعيدة عن المصطلح البلاغي الذي كثيرا ما استخدمه لتحليل آيات القرآن، بل إن ما توهمه من معنى

«الشبه» هو الذي دفعه لتغيير قراءتها. ولقد استخدم مجاهد تلميذ ابن عباس هذا المصطلح في تأويل آية على غير ظاهرها، وهو تأويل استنكره الطبري استنكارا شديدا، وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ} حيث يقول: «لم يمسخوا، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا» ولم يكن مجاهد بعيدا عن الجدل العقائدي، وما يحكى عن نزعته العقلية، وما نسب إليه «من الميل إلى تتبع التصورات الاسطورية بالدرس والفحص، والانتقال بنفسه إلى الأماكن التي يتصل بها شيء من الخوارق الخرافية، ليجد لنفسه تفسيرا لها عن عيان وشهادة» كل ذلك يقرّبه من المعتزلة أكثر مما يباعده عنهم. وتأويلاته الكثيرة لآيات القرآن تتفق مع التأويلات الاعتزالية حتى ليعده جولد تسيهر رائدا لهم في مسائل كثيرة في التأويل، وينحصر فضل المعتزلة عنده في أنهم «جعلوا هذه الطريقة تستوعب جميع دائرة العبارات القرآنية الدالة على التشبيه» .

ومما يؤكّد الارتباط بين تطور المصطلح البلاغي، والخلافات العقائدية أن أول كتاب متخصص يصلنا في تحليل النص القرآني هو لمقاتل بن سليمان (ت 150هـ) الذي تنسب إليه المصادر القول بالتجسيم، كما تنسب إليه مجادلته لجهم بن صفوان (ت 128هـ) . وقد سبقت الاشارة في التمهيد إلى دور جهم في ثورة الحارث بن سريج في عهد هشام بن عبد الملك، وكان مقاتل في المعسكر المعادي للحارث. والتقى كل من جهم ومقاتل كممثلين لا تجاهين متعارضين، سياسيا وفكريا. وعنوان الكتاب «الأشباه والنظائر» بل والكتاب نفسه بمنهجه وطريقة تناوله للنص القرآني يكشف عن ذلك الاحساس بتعدد دلالات اللفظ الواحد تبعا لتعدد السياقات واختلافها، وهو بذلك يقرّبنا خطوة إلى جو «المجاز» بمعناه الاصطلاحي. ويعدّ الكتاب بذلك تطبيقا لما سبق أن ألمح إليه علي بن أبي طالب من قبل من أن «القرآن حمّال أوجه» وهذا الاحساس بتعدد دلالات اللفظ الواحد في القرآن ظلّ يلحّ على أفئدة المفسرين ويؤرقهم حتى صار موضوع «الوجوه والنظائر» فرعا من فروع الدراسات القرآنية، كالناسخ والمنسوخ، والاعراب الخ وهو فرع يعرّفه السيوطي بقوله: «فالوجوه اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة وقيل النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني» وكتاب مقاتل يتعرض لبعض الألفاظ والعبارات، بل والحروف أيضا، التي وردت في القرآن، ويحاول أن يحصر «وجوه» معاني هذه الألفاظ والعبارات

والحروف، مستشهدا على كل وجه من هذه الوجوه بمجموعة من الآيات القرآنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت