فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 269

ومن الضروري الاشارة إلى أن اجتهادات ابن عباس في تفسير النص القرآني، لم تكن بعيدة عن جو التأويل والجدل الديني الذي بدأ بانشقاق الخوارج على علي ابن أبي طالب نتيجة رفضهم لمبدأ التحكيم. ولقد كان ابن عباس فيما يقال هو رسول علي بن أبي طالب لمجادلة الخوارج ومحاولة إقناعهم بخطإ موقفهم وصحة موقف علي. ولم يخل هذا الجدل من الاستشهاد بالقرآن من كلا الطرفين على صحة موقفه واتساقه مع معطيات القرآن، حتى تحوّل النزاع على مستوى

الجدل الديني إلى فهم النص القرآني نفسه والاستدلال به. وهذا كله ما جعل علي بن أبي طالب ينهى ابن عباس عن مجادلة الخوارج بالقرآن «فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ولكن خاصمهم بالسنّة» . ولكن ابن عباس فيما يبدو لم يكن في موقف الاختيار. والذي نودّ أن نشير إليه إن صحّت الرواية أن هذا الاحساس المبكر بتعدد الوجوه في التعبير القرآني ينبئ عن تصور ما لا مكانية تعدد الدلالة. وابن عباس هو الذي يتهم الخوارج بقصور الفهم والعجز عن ادراك معاني القرآن فقد «ذكر عنده الخوارج وما يلفون عند القرآن قال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه» .

ومما يرويه الطبري عن ابن عباس رواية مؤداها أنه لم يتقبل القراءة المشهورة للآية الكريمة {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مََا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} (البقرة / 137) على أساس أنها تثبت مثلا لله يمكن الايمان به «لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا» فإنه ليس لله مثل ولكن قولوا: «فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا» .

ومن المحتمل إن صحّت الرواية أن ابن عباس كان مدفوعا إلى ذلك رغبة منه في نفي أي شبيه أو مثل لله، خصوصا مع ما ذهب إليه ابن سبأ من تأليه الأئمة والقول بالرجعة.

ولم يكن الجدل حول القرآن وقفا على الفرق وحدها، أو على الجدل بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان، كاليهود والنصارى كما سنشير من بعد. بل توقف كثير من المسلمين عند بعض آيات القرآن متسائلين عن المعنى الحقيقي وراء صورتها اللفظية. فيروي الطبري عن الربيع أنه «لمّا نزلت {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ} قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، هذا الكرسي وسع السموات والأرض، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالى: {وَمََا قَدَرُوا اللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إلى قوله:

{سُبْحََانَهُ وَتَعََالى ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ} . وإذا كان الرسول قد سكت عن تساؤل المتسائلين تاركا لله عز وجل الرد عليهم واستنكار هذا السؤال الذي ينمّ عن جهل بحقيقة الألوهية، فإن ابن عباس والجدل قد اشتد واتسع مداه يفسّر الآية على أن «كرسيه: علمه» وهو تأويل يقرّبنا من جو التأويل الاعتزالي الذي يهدف إلى نفي مشابهة الله للبشر أو حلوله في المكان.

لم يكن المفسّر القديم إذن بعيدا عن الجدل والصراع الكلامي، ومن ثم لم يكن استخدامه لوسائله التحليلية للنص القرآني بعيدا عن هذا الجدل. وليست كلمة «المثل» في الآية التي حاول ابن عباس تعديل قراءتها بعيدة عن المصطلح البلاغي الذي كثيرا ما استخدمه لتحليل آيات القرآن، بل إن ما توهمه من معنى

«الشبه» هو الذي دفعه لتغيير قراءتها. ولقد استخدم مجاهد تلميذ ابن عباس هذا المصطلح في تأويل آية على غير ظاهرها، وهو تأويل استنكره الطبري استنكارا شديدا، وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ} حيث يقول: «لم يمسخوا، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا» ولم يكن مجاهد بعيدا عن الجدل العقائدي، وما يحكى عن نزعته العقلية، وما نسب إليه «من الميل إلى تتبع التصورات الاسطورية بالدرس والفحص، والانتقال بنفسه إلى الأماكن التي يتصل بها شيء من الخوارق الخرافية، ليجد لنفسه تفسيرا لها عن عيان وشهادة» كل ذلك يقرّبه من المعتزلة أكثر مما يباعده عنهم. وتأويلاته الكثيرة لآيات القرآن تتفق مع التأويلات الاعتزالية حتى ليعده جولد تسيهر رائدا لهم في مسائل كثيرة في التأويل، وينحصر فضل المعتزلة عنده في أنهم «جعلوا هذه الطريقة تستوعب جميع دائرة العبارات القرآنية الدالة على التشبيه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت