ويسلك مقاتل نفس المسلك ازاء بعض العبارات والتراكيب القرآنية، فيتوقف عند عبارات «الحسنة والسيئة» و «الظلمات والنور» و «الطيب والخبيث» و «أقام الصلاة» و «ما بين أيديهم وما خلفهم» و «مستقر ومستودع» ولا يختلف بيانه لوجوه هذه العبارات ومعانيها كثيرا عن بيانه لوجوه الألفاظ، بمعنى أنه يشير إلى الوجوه الفرعية، أو الدلالات غير المباشرة، كما يشير إلى الوجه الأصلي أو الدلالة المباشرة. فعبارة «الظلمات والنور» على سبيل المثال لها وجهان «فوجه منهما: الظلمات يعني الشرك، فذلك قوله في البقرة {اللََّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمََاتِ إِلَى النُّورِ} يعني يخرجهم من الشرك إلى الايمان، نظيرها عنده. وقال في الأحزاب {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلََائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمََاتِ إِلَى النُّورِ}
يعني من الشرك إلى الايمان ونحوه كثير. والوجه الثاني: الظلمات: الليل، والنور، يعني النهار، فذلك قوله في الأنعام: الْحَمْدُ لِلََّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ
وَجَعَلَ الظُّلُمََاتِ وَالنُّورَ يعني جعل الليل والنهار ليس مثلهما في القرآن». ولا يتوقف مقاتل وهذا طبيعي أمام التعبير بالظلمات والنور عن الشرك والايمان ليبين العلاقة بين الوجهين، وذلك لأن غايته هي ايراد المعنى المباشر لهذه الألفاظ والعبارات ووجوهها المختلفة في القرآن.
وكما تتعدد وجوه اللفظ الواحد، تتعدد كذلك وجوه الحرف الواحد، ويتعرض مقاتل في هذا الصدد للوجوه المختلفة للحروف، ولكنه لا يشير في أي من هذه الحروف أو الأدوات إلى وجه أصلي ووجوه فرعية أو ثانوية، بل تتساوى وجوه الحرف الواحد في امكانية ورودها. والكتاب من هذه الوجهة يعدّ أقدم كتاب وصلنا في معاني الحروف، مما يؤكّد أن تفسير القرآن، أو الدراسات القرآنية عموما، كانت في الحضارة الاسلامية هي البيئة الطبيعية التي نضجت في أحضانها كل فروع الدراسات اللغوية والبلاغية.
وإلى جانب هذه الدراسة التي قرّبت المفسّر من مفهوم «المجاز» نرى أن مصطلح «المثل» يتقدم خطوة للامام، حيث يكشف مقاتل عن العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي في المثل وذلك حين يفسّر الوجوه المختلفة لكلمة «ماء» في القرآن، فهو يرى أن لها وجوها ثلاثة هي المطر، والنطفة، «والوجه الثالث: الماء:
يعني القرآن، كما أن الماء حياة الناس، كذلك القرآن حياة لمن آمن به»
وإذا كان مقاتل بن سليمان صاحب ميول تجسيدية واضحة، وذا نزعة ارجائية معروفة، وهو أول من وصلنا عنه كتاب في «الأشباه والنظائر» فإن أول كتاب يصلنا بعنوان «مجاز القرآن» هو لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 207هـ) الخارجي. وفي نفس الفترة تقريبا نلتقي بكتاب «معاني القرآن» للفراء (ت 209هـ) وله ميول اعتزالية أشار إليها الدارسون. وكما فعلنا مع كتاب مقاتل، سنكتفي هنا بمحاولة رصد ما يندرج تحت مفهوم المجاز من أساليب، تاركين الكشف عن الجوانب الكلامية في هذه المؤلفات للفصل الخاص بالتأويل.
ولا شك أن طبيعة ثقافة كل من أبي عبيدة والفراء قد أثّرت بشكل أو بآخر على زاوية رؤية كل منهما للتركيب القرآني، وعلى طريقة تحليلهما لهذا التركيب وتذوقهما له. والدوافع التي دفعت كلا منهما لتأليف كتابه تكشف من جانب آخر عن وجود مجموعة من العوامل الخارجية أهمها استغلاق النص القرآني على أفهام كثيرين من رجال الدولة ذوي الأصول الأعجمية في غالب الأحيان، هذا إلى جانب أخطائهم في نطق القرآن أو اللحن فيه. وكان من أثر ذلك كله أن تطورت مهمة
المفسّر قليلا عن ذي قبل، فصار عليه أن يتناول النص القرآني من زاوية التركيب كما يتناوله من زاوية شرح الغامض من ألفاظه. وعلاوة على ذلك كان عليه أن يتناول الجانب الاعرابي. وبمعنى آخر كان على هؤلاء المفسرين أن يخوضوا في مباحث بلاغية وأسلوبية أكثر اتساعا مما تعرّض له المفسرون السابقون، بحكم هذه المهمة التي كانت تواجههم.