فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 269

إذا كان كل من أبي عبيدة والفراء وقبلهما الحسن البصري والمفسرون لم يربطوا تأويلاتهم بقانون عام أو قواعد ثابتة، فإن المعتزلة بسبب اعتمادهم على العقل وأدلته حاولوا أن يضعوا أصولا عامة للتأويل تسمح لهم بتأويل آيات القرآن تأويلا يتفق مع أصولهم العقلية في العدل والتوحيد، وفي نفس الوقت تمنع خصومهم من الاستدلال والتأويل على عكس هذه الأصول أو ضدها. ولقد وجدوا في «المحكم والمتشابه» هذه المشكلة القديمة منفذا لارساء ضوابط للتأويل. وإذا كان القرآن نفسه قد سكت عن تحديد المحكم والمتشابه وإن أشار إلى ضرورة رد المتشابه إلى المحكم، فإن المعتزلة اعتبروا كل ما يدعم وجهة نظرهم محكما يدل بظاهره، وكل ما يخالف هذا الوجهة اعتبروه متشابها يجوز، بل يحق لهم تأويله.

وبذلك نقلوا الخلافات العقلية الاستدلالية إلى القرآن على أساس وجود المحكم والمتشابه فيه. وكان من الطبيعي أن يلجأ خصوم المعتزلة لنفس السلاح فيعتبروا ما يدعم وجهة نظرهم محكما، وما يدعم وجهة نظر المعتزلة متشابها.

وتجدر الاشارة في هذا المجال إلى أن خصوم المعتزلة كانوا دائما يستفيدون من نهج المعتزلة في النظر والتأويل وإن خالفوهم في النتائج دائما. وليس ذلك بغريب فأبو الحسن الأشعري (ت 330هـ) خصم المعتزلة اللدود قد تربّى على فكر المعتزلة، بل وفي حجر شيخهم أبي علي الجبائي.

وأول محاولة تكشف عن هذا الربط بين الأصول العقلية للمعتزلة وبين قضية المحكم والمتشابه هي رسالة القاسم الرس (ت 246هـ) «كتاب أصول العدل والتوحيد» . وهو في هذه الرسالة يقسم العبادة التي هي الغاية من خلق المكلفين {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} إلى ثلاثة أقسام «أولها معرفة الله. والثاني:

معرفة ما يرضيه وما يسخطه. والوجه الثالث: اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه» ولكل عبادة من هذه العبادات حجج هي على الترتيب «العقل والكتاب والرسول» . فالعقل هو الحجة التي تؤدي بنا إلى معرفة الله بعدله وتوحيده وكل صفاته وما يجوز عليها منها وما لا يجوز. والكتاب هو الحجة التي نعلم عن طريقها أوامر الله ونواهيه، ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه. والسنّة أو الرسول هي الحجة الثالثة التي تؤدي بنا إلى معرفة كيفية اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، أو

بألفاظ أخرى هي الموضحة والمبينة لحجة الكتاب. ويجعل القاسم الرسى «العقل أصل الحجتين الأخيرتين، لأنهما عرفا به، ولم يعرف بهما» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت