فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 269

منذ فترة باكرة جدا ارتبط تأويل القرآن بالخلاف حول المحكم والمتشابه من جهة، وبالخلافات السياسية والعقائدية من جهة أخرى. وإذا كانت العلاقة بين التأويل والمجاز تبدو خافتة جدا في هذه المرحلة الباكرة، فما ذلك إلّا لان مصطلح «المجاز» لم يكن قد تحدّد بعد، فضلا عن أن يكون قد ظهر على ألسنة المفسرين.

وقد سبق أن أشرنا إلى أن مصطلح «المثل» كان أقدم المصطلحات شيوعا للدلالة على العبارة أو اللفظة التي لا يراد بها ما وضعت له في أصل اللغة.

أمّا ارتباط التأويل بالخلاف حول المحكم والمتشابه من جهة، وبالخلافات السياسية من جهة أخرى فيؤكده ما يرويه الطبري عن ابن عباس أيضا من أنه قد «ذكر عنده الخوارج وما يلفون عند القرآن قال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه» بل إن الطبري نفسه يستغل الآية لمهاجمة كل الفرق الاسلامية وغير الاسلامية ويرى «أن هذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة فمال قلبه إليها، تأويلات منه لبعض متشابه آي القرآن، ثم حاج به وجادل به أهل الحق، وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات، إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين، وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك، كائنا من كان، وأي أصناف المبتدعة كان:

من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سبئيا، أو حروريا، أو قدريا، أو جهميا، كالذي قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم الذين يجادلون به، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم» .

غير أن محاولة تأويل آي القرآن أو الخلاف حول المحكم والمتشابه ترتبط بزمن نزول القرآن نفسه. ويبدو أن محاولة تأويل آي القرآن والتشكيك فيه قد ارتبطت بجدل أهل الكتاب مع الرسول في المدينة. ومن العسير على الباحث تحديد نقطة البداية في هذا الجدل. ومع ذلك فالقرآن نفسه قد سجّل هذه المحاولات وردّ

عليها. ولو رتبت آيات القرآن وسوره حسب ترتيب النزول بحسب ما تسمح به مصادرنا الحالية عن أسباب النزول لأمكن حسم كثير من المعضلات التي ترتبط بالدراسات القرآنية بشكل عام. فالقرآن قبل كل شيء وبعد كل شيء هو المصدر الوحيد الذي لا يتطرق اليه الشك كمصدر تاريخي لعصر النبوة بشقيه المكي والمدني. ولقد سجّل لنا القرآن في سورة آل عمران هذه المحاولات التأويلية بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتََابَ، مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتََابِ وَأُخَرُ مُتَشََابِهََاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ ابْتِغََاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ،} {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنََا.}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت